لم يعد مصطلح ” إطفاء حرائق” تهمة لحكومة تتولى الشأن التنفيذي في بلد كبلدنا, تعصف به الرياح من جهات الدنيا الأربع، بل هي كذلك ويفترض أن تكون كذلك..وحسبها أن تنجح في مثل هذه المهمة الصعبة.
إلا أننا لم نفهم لماذا تهرب حكومتنا من مثل هذا التوصيف الواقعي والموضوعي واللازم “حكومة إطفاء حرائق”.. وتصرّ – كما سابقاتها خلال السنوات العشر المنصرمة- على تدبيج سرديات على شكل برنامج عمل، من الواضح أنه استغرق وقتاً إضافياً على الأقل في الكتابة والتنقيح ومحاولات الإلقاء التجريبي ؟؟
ورغم حرصنا على تقدير حجم الوزر والظلال الثقيلة للحرب الملقاة على عاتق الفريق التنفيذي الراهن، إلا أننا لا نملك بمناسبة بيان الأمس أن نتجاهل تسجيل ملاحظة قديمة، وهي أن البيانات التي دفعت بها الحكومات المتوالية على المقصورة التنفيذية طيلة حقبة الحرب الكئيبة على هذا البلد، كانت مثيرة للدهشة لجهة الإصرار على تحوّلها إلى حالة بروتوكولية، لا يصعب على عاقل أو متابع استنتاج وتحديد آثار وملامح ملكة الاقتباس اللافتة المستحكمة فينا – استسهالاً ربما أو ضعفاً – والتي أوقعتنا في فخ استنساخ البيانات و التجاهل المريب لحيثيات وخصوصية وآنية كل ظرف أو مرحلة، ولحزمة المتغيرات التي تفرض نفسها بقسوة أحياناً، مهما بلغ بنا الشغف البغيض بالحالة الستاتيكية، بل و أكثر من ذلك.. إن كان ثمة حراك نلوذ به يكون بالهرولة رجوعاً إلى المربعات الأولى في تعاطينا مع أعمالنا على المستوى التنفيذي..ولا نظن أننا نتجنى..بل ونتمنى أن نكون مخطئين في قراءتنا لمؤشرات هي مصيرية في الواقع بالتالي لا تحتمل اجتهادات بل التوصيف وليس إلا.. وهذه ملاحظة لا نسوقها اليوم للتقليل من شان النيات الطيبة التي تسعى حكومتنا الحالية لتجسيدها رغم صعوبة وتعقيدات الواقع المرّ.
والواقع أن الحكومة نجحت في بيانها أمس بملامسة بعض الاستحقاقات الملحة..لكن بـ”صلف” وحرص متكلف على عدم الغوص في تفاصيل صغيرة هي أكبر وأهم بكثير من ” كليشيهات الاستشراف” في حسابات المواطن واحتياجاته..فربما لم يكن كافياً السرد الإنشائي المباشر الموجه إلى هذا المواطن، بلغة ومفردات مفرطة بعموميتها، لم يعد يكترث إليها كثيراً، بعد أن انتقلت قسوة الظرف بمراكز الإدراك لديه إلى الحالة الحسية، بعيداً عن كل مساحات التفكير والشعور والتخيل والاستنتاج والتحليل والتركيب..أي على طريقة من الآخر ..
لأن الوقائع الصّعبة عوّمت الهواجس المتصلة بالأسعار وجعلتها أولوية قبل زيادة الرواتب التي نظنها مجازفة حكومية ووعد صعب التحقق.. والاهتمام بالخبز قبل سرديات تأمين السكن الذي بات حلماً غير مدرج حالياً على لائحة الأولويات الملحّة السريعة التي رتّبها ظرف الحرب والحصار عفوياً في أذهان السواد الأعظم من السوريين…وتوفير وسائل النقل قبل الخوض في سباق المسافات الطويلة باتجاه توطين تجليات اقتصاد المعرفة..وإتاحة السماد للزراعة قبل الحديث عن “سلاسل القيمة” في القطاع و ” العلاقات الترابطية” ..وتوفّر السلع الأساسية قبل اجتراح فتوحات جديد في أدبيات إعداد الموازنة العامة..













