لا شك، إن شعوب المنطقة تمتاز بطابع من الفهم والادراك لمختلف العلوم الاجتماعية وخاصة ما يتعلق منها بالعلوم السياسية. لذلك نادراً ما تجد فرداً لا يحدثك في السياسة سواء بصورة سلبية أو إيجابية..jpg)
وبالتالي، هذا الأمر يعكس اهتماماً محدداً بما يجري في البلاد داخليا واقليميا وعالميا. أي إنه يعكس وعياً ما يحاكي الواقع بكل مكوناته. بيد أن الآراء السياسية لا تعني بأي شكل من الأشكال السياسة بحد ذاتها.
فالسياسة شيء والآراء السياسية شيء آخر.
إذاً لا بد من القول: إننا لم نرتق في مسألة آرائنا السياسية إلى مستوى الفكر السياسي، حيث لا تزال الآراء السياسية في كثير من الأحيان رهينة العواطف والتأثيرات الشخصية من هنا وهناك: بمعنى إن آراءنا السياسية هي انعكاس آني لا أكثر ولا أقل عن قضايا واحداث تجول الفضاء الاجتماعي، وهي ليست فكراً سياسياً يعبّر عن أمور استراتيجية محددة. ولتوضيح هذه النقطة لا بد من طرح السؤال الكبير التالي:
ما هي السياسة؟
ونجيب: إنها ليست رفاه فكري أو تسلية ما، بل هي علم من العلوم الاجتماعية تعكس مصالح اجتماعية محددة، وترتبط ارتباطاً عضوياً بالاقتصاد. حيث لا توجد سياسة منفصلة عن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية. وكما نعلم هناك تلون سياسي. يخضع لنفس المعيار. ويعكس التباينات الفئوية في الطبقات الاجتماعية المحددة. إذ من المعلوم أن أية طبقة اجتماعية ـ إنما هي مكون من فئات مختلفة لها مصالحها الخاصة الموجودة ضمن إطار المصلحة العامة الكبرى لطبقتها. كأن نقول مثلاً: هناك – برجوازية – صناعية – تجارية – زراعية – كومبرادور- وغير ذلك. أو كأن نقول: إن المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية، قد عكسوا مصالح الطغمة المالية العسكرية النفطية في أمريكا، في وقت عبر فيه الديمقراطيون عن مصالح فئات أخرى من البرجوازية.
وهنا يمكن القول: أن المحافظين الجدد كانوا أكثر عدوانية في سياساتهم الخارجية مما نشاهده اليوم من الديمقراطيين.
إن التلون في السياسة، يعكس التلاوين الفئوية في هذه الطبقة الاجتماعية أو تلك. لذلك تنشأ التقسيمات السياسية عادة في الأحزاب والمنظمات كأن يصبح حزباً ما ممثلا ليمين اليسار. أو يسار اليمين، أو الوسط…وهكذا.
وكما أسلفنا بإن السياسة تعكس مصالح اجتماعية محددة، ولا يمكن الحديث عنها بمعزل عن ذلك. وكذلك لا يمكن تفسير الإجراءات السياسية التي تتم بمعزل عن هذا الأمر، كالمراسيم والقوانين التي تصدر بصورة عامة.
فإن تحديدنا لمفهوم السياسة يقودنا إلى أمر آخر لا بد منه. وهذا الأمر هو ضروري جداً بالنسبة للجميع
سواءً الأحزاب السياسية أو الأفراد. وهو الفكر السياسي.
فما هو هذا الفكر؟
إن الفكر السياسي يستند إلى عملية التحليل المادي مرتبطا بالعلاقة الجيوسياسية لجميع التدابير والوقائع السياسية التي تجري
اقليم ما او دولة ما او جغرافية معينة ، وبالتالي هو تحليل لواقع جميع الفئات الاجتماعية لذلك، وللمصلحة الملموسة من ذلك في مختلف تلاوينها المتعددة وتجاذباتها المختلفة. أي إن الفكر السياسي يستند إلى تحليل السياسة بالارتباط مع الواقع الاجتماعي والجغرافي بصوره المتعددة من أجل الوصول إلى استنتاجات صائبة. وبدون ذلك فإن أي حديث عن السياسة هو حديث لا أهمية له.
إن الارتقاء إلى مستوى الفكر السياسي للأحزاب والحركات السياسية، وخصوصاً، التقدمية منها يجنبها الكثير من المطبات والأخطاء.
بمعنى إن الارتقاء إلى هذا المستوى الفكري ، إنما يساعد هذه الأحزاب والحركات إلى استنتاجات صائبة. يفيدها في رسم استراتيجيات سياسية من خلال فهم ملامح التطور والتقدم اياً كانت جغرافية المكان. أي يجعلها تصل إلى تقويمات دقيقة عن الواقع وتضع الحلول الضرورية التي تفسح مجالاً أرحب لتطور إيجابي. ولكن مع كل أسف إن العمل السياسي احيانا وخاصة في الدول النامية يتسم بطابع ارتجالي غير مؤسس وغير مبني على وقائع مادية عميقة. وهذا ما يجعل الاستنتاجات في كثير من الأحيان استنتاجات مبنية على الرغبات والعواطف وليس على الوقائع.
فما أحوجنا الآن إلى الارتقاء إلى مستوى الفكر السياسي الذي يجعلنا نتعامل مع الواقع كما هو دون إضافة أوهامنا على هذا الواقع.
فمستوى الخطاب السياسي القائم حالياً هو مؤشر لمستوى وعينا الاجتماعي الذي لا يزال أدنى من مستوى التطور العالمي الذي يجري بشكل عاصف، ولم يبق أمامنا إلا أن نبذل الكثير من الجهود كي نلحق بسير التطور العاصف الذي يتسم به القرن الواحد والعشرين.
الاستاذ : محمد الزبيدي











Discussion about this post