فادي وهيب
مع اقتراب موعد الانتخابات التركية في 2019 ومع بدء كل حزب في تكوين تحالفات لدخول ذلك المعترك، تتجه الأنظار صوب حزب السعادة الذي أسسه الراحل نجم الدين أربكان ورئيسه الحالي تيميل كاراموللا أوغلو ومع من سيتحالف، حتى قالها صراحة كاراموللا أوغلو مؤخرا بأنه لا يمكن أن يدخل في تحالف مع الرئيس التركي أردوغان بالرغم من رغبة ألاخير في ذلك، مصرحا لصحيفة «بوستا»التركية: «إن الراحل نجم الدين أربكان قال أثناء حياته لا تُشركوني في آثام أردوغان، وانا كرئيس حالي لحزب الراحل اربكان سأسير على نهجه».
وبعد ذلك التصريح كان يجب علينا أن نتوقف قليلا ونشرح اسباب قول اربكان على تلميذه اردوغان كلام مثل ذلك، وهنا دعونا نرى المشهد منذ بدايته.
.jpg)
▪ بعد إغلاق حزب الفضيلة (الحزب الذى أسسه نجم الدين أربكان) قضائياً في آب 2001 وانقسم اعضاؤه إلى فريقين، الفريق الاول تزعمه القياديون الكبار ومؤسسو حزب الفضيلة واسسوا حزباً جديداً اسمه «حزب السعادة» بينما قام المنشقون بعد يومين فقط من اغلاق الحزب، وعلى رأسهم رجب طيب إردوغان وعبدالله غول وبولنت أرنتش ومليح كوكجيك بتأسيس حزب آخر أسمه «حزب العدالة والتنمية التركي»، وجاء ذلك بعد خلافات شديدة بينهم وبين أربكان خصوصاً بعد إرغام الجيش التركي للأخير على الاستقالة والتنحي وتهديده بالانقلاب العسكري والسجن لجميع قيادات الحزب، وحينها لم يتردد أردوغان ورفاقه بأتهام أربكان بالفشل فى أدارة الدولة، حتى صرح أردوغان قائلا: أن أربكان ديكتاتوري ومحب للسلطة، وأن قراراته وقيادته فردية لا تعرف المناقشة، وأنه لا يستطيع أحد أن يقول كلمة غير كلمته.
▪ وكثيرا ما اتهم أربكان أردوغان بالرغبة في إشعال نار الفتنة بين مؤسسي وأعضاء حزب الفضيلة والعمل على تقسيم الحزب، وأن أردوغان ما هو الا عميل للصهيونية العالمية، وهو الامر الذي تحدث فيه اربكان وغيره باستفاضة شديدة غير مكتف بتوجيه جملة «أردوغان ما هو الا عميل للصهيونية العالمية» فقط.
▪ والبداية كانت عندما أستشهد عبد الرحيم قارصلي زعيم حزب الوسط بكلام الصحفي عبد الرحمن ديليباك (أحد أكثر الصحفيين قربا من أردوغان) مؤكدا أن «حزب العدالة والتنمية التركي» أسس على يد الولايات المتحدة وبريطانيا واسرائيل، كي يمهد لتنفيذ مشروع مخطط الشرق الاوسط الكبير، والتحكم في شكل وحراك تيار الاسلام السياسي كما تريد تلك الدول، على غرار تجربة الاستخبارات البريطانية عند تأسيسها لجماعة الاخوان المسلمين بمصر عام 1928.
▪ وهو الكلام الذي أكده الصحفي علي بولاج بعد أن فجر العديد من الوثائق التي تؤكد أصدار شهادة حزب العدالة والتنمية من خارج الحدود التركية قبل أن يظهر في أنقرة، وأنه حجر الاساس فى مشروع الشرق الاوسط الكبير، وأن الراحل نجم الدين اربكان أطلعه على العديد من الوثائق التي تكشف حقيقة حزب العدالة والتنمية وعمالته، وكان ارتان يوليك نائب رئيس حزب السعادة حاضرا فى ذلك اللقاء.
▪ أما الاخطر من كل ما سبق فقد جاء على لسان مصطفى كمالاك رئيس حزب السعادة (أمتداد حزب الفضيلة المنحل) فى حوار له بصحيفة «بوغون» التركية قائلا: «أن الإسرائيليين عرضوا على رئيس حزب الفضيلة نجم الدين أربكان عروضًا لو قبلها الاخير ما كان ظهر حزب العدالة والتنمية على السطح، فقد زار في أحد المرات عددا من الممولين وأصحاب الخطط والرؤى السياسية (دون تحديد جنسيتهم) قائلين لنجم الدين اربكان نصا «أن مؤشر الاسلام بتركيا في أرتفاع، ونحن نأمل في التعاون معكم» وقدموا هؤلاء لنجم الدين أربكان عرضاً سخياً بداية بتصعيد حزب أربكان إلى سدة الحكم، مرورا بتحمل التكاليف المالية وتقديم الدعم المادي للحزب، وصولا لازاحة المعارضين من طريق حزب الفضيلة كي تصبح له السلطة منفردا، وفى المقابل ضمان أمن أسرائيل، والتعاون في وضع صيغة ورؤية جديدة للاسلام ككل وليس الاسلام السياسي فقط، والمساهمة في جهود أعادة تفسير الاسلام، وأخيرا المساهمة فى تنفيذ مشروع «الشرق الأوسط الكبير»، وقبل أن يخوض نجم الدين أربكان في نقاش حول ما عرض عليه رفض الامر تماما، ويكمل مصطفى كمالاك حديثه قائلا: أن نفس العرض الذى قدم لنجم الدين اربكان ورفضه، قدم لرئيس حزب الوحدة الكبرى الراحل محسن يازجي أوغلو ورفضه أيضا، إلى أن نجحت اسرائيل في المحاولة الثالثة لها بعد فشل الاولى مع أربكان ثم الثانية مع يازجي، بعد أن تقدمت بالمشروع لرجب طيب اردوغان ورفاقه الذين قبلوا بكل الشروط، ولا ننسى أردوغان عندما أعلن أنه رئيس موازٍ ضمن إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير.
وقبل أشتعال ثورات الربيع العربي بعام صرح أربكان رئيس حزب السعادة وقتها في حوار صحفي مع جريدة «Die Welt» الألمانية قائلا على رئيس الدولة التركية وقتها عبد الله جول ورئيس وزرائه أردوغان «أن هناك بعض القوى الخارجية التى جاءت بهم إلى السلطة، وهي القوى التي ت
تحكم في النظام العالمي،وتتبنى سياسات عرقية وتتميز بتوجهاتها الصهيونية الإمبريالية وتحول الأشخاص إلى عبيد، الغرب يدعم هذا النظام الصهيوني العالمي دون أن يدرك، وأغلب ما يقوم به الغرب خطأ، وهو يزيد أرباح ومكاسب الصهيونية حول العالم من خلال الضرائب والديون».
▪ وفي عام 2007 وأثناء مشاركته في مؤتمر خاص بمركز أبحاث الاقتصاد والاجتماع في تركيا صرح نجم الدين أربكان قائلا: «لقد تقلد أردوغان عام 2002 خلال لقائه مع الرئيس الأميركي جورج بوش منصب مدير مشروع الشرق الاوسط الكبير وإسرائيل الكبرى، وبعدها حصل أردوغان على ميدالية الشجاعة من اللوبي اليهودي بالولايات المتحدة، وبعد ذلك بأقل من عامين بدأ رجب طيب أردوغان فى طرح مصطلح جغرافي سياسي جديد الا وهو «الشرق الاوسط الكبير» وبدأ يصرح لوسائل الاعلام التركية عن شكل وماهية وكيفية تنفيذ ذلك المشروع ودور تركيا فيه، وان حجم تركيا في ظل قيادة حزب اسلامي يحافظ على علمانية الدولة يؤهلها لقيادة المنطقة، ويجعل من تركيا عموداً رئيسياً لتنفيذ أي مشروع بالاقليم وفى مقدمتها مشروع الشرق الاوسط الكبير.
وبنفس الصدد تحدث عبد اللطيف شنر (نائب رئيس وزراء أردوغان من 2002 الى 2007) ببرنامج تلفزيوني على قناة «هلك تي في» قائلا: أن مهمة أردوغان الاولى هى تطبيق سياسات اسرائيل وضمان حمايتها، وتحويل مدينة القدس عاصمة لاسرائيل.
في سؤال صادم طرحته صحيفة «يملي غازيت» الاسلامية على رجب طيب أردوغان الذى يسوقه اعلام حزب العدالة والتنمية وقناة الجزيرة القطرية على أنه الفارس المنقذ والمدافع الأول عن حقوق المسلمين بالعالم، تساءلت الصحيفة فى عنوانها الرئيسي: «هل قاعدة كوراجيك أسست ضد الصهيونية؟»، ثم طرحت الصحيفة تقريرها الصادم للرأي العام التركي والذى تضمن شهادة مجلة «دفينس نيوز» الاميركية والتي توضح دور قاعدة كوراجيك الرادارية الاميركية في مدينة ملاطية بوسط تركيا، موضحة المجلة العسكرية الاميركية أن قاعدة كوراجيك الرادارية تعمل بصورة متناسقة مع نظام القبة الحديدي باسرائيل، قبل أن يتم الاختبار والتدريب على التعاون بين تل أبيب وملاطية، وهو النظام الراداري الذي أقامته أسرائيل بعد كم الصواريخ التى أصابها أثناء حرب تموز 2006 مع حزب الله اللبناني.
ولحلف الناتو بتركيا قواعد عسكرية مترامية الأطراف بداية من قاعدة الاسكندرون، مرورا بقواعد سيلفلي، انقرة الجوية، بلياري، انجرليك، وسيونوب، وبيرنكيك، وكارنمابردن، وصولا الى قاعدة أزمير الجوية، هذا بجانب حق الولايات المتحدة الاميركية في استخدام كل المطارات والمؤانى وانشاء اجهزة الانذار المبكر والرصد والرادارات فى أي بقعة بتركيا.
وعند ذكر كلمة رادرات يجب أن نتذكر منظومة الرادرات التي وضعتها الولايات المتحدة بتركيا لكي تغطي جميع دول الاقليم ليس بهدف حماية الاراضي التركية وانما لحماية اسرائيل، كما صرح قائد اسطول القوات البحرية الاميركية فى البحر المتوسط عندما قال: «ان هذه الرادرات مهمتها ارسال اشارات الاستشعارات المبكرة للبوارج الاميركية التي تقف في عرض البحر المتوسط لحماية اسرائيل، لان الرادارات التي توجد على البوارج الاميركية مداها لا يتجاوز 250 كم لكن رادرات على مستوى جبال طوروس او جبال تركيا فهي تسطيع رصد اي صاروخ يخرج من سوريا او ايران، وارسال استشعارات للبوارج التي تحمل منظومة صاروخية للدفاع عن اسرائيل، والتعامل مع أي خطر يهدد أجواء شمال اسرائيل».
▪ خلاصة القول كان اربكان ابن المشروع الاسلامي وكذلك كان أردوغان، ولكن ما قدمه الغرب من فرص لمشروع اردوغان وحزبه لم يقدم لاربكان وحزب الرفاه أو الفضيلة، فنجم الدين أربكان كان يريد أخراج تركيا من دائرة التحكم الغربية، وسعى بكل قوة للعودة لمحيطها الاسلامي عبر الشراكة والتواصل والبناء، وليس التدخل فى شؤون الدول الداخلية كما يفعل اردوغان، كما عزم اربكان بكل قوة على محو بصمات الصهيونية من تركيا كأغلاق «المحافل الماسونية» وغيرها من غرف «الصهيونية العالمية»، بينما يتواجد بها اردوغان ونجله وصهره كأول الحاضرين في أهم مناسبات تلك المحافل، نعم أربكان وأردوغان ابناء مشروع واحد، ولكن أربكان دفع فاتورة باهظة بسبب معادته للكيان الصهيوني، بينما أردوغان قدم العرب كقرابين أمام «الصهيونية العالمية» كي يظل قائداً للعالم السني.
▪ وأعتقد بعد كل ما سردناه لم يعد هناك من يتعجب ويتساءل لماذا في الوقت الذي تم فيه اغلاق كل الاحزاب الاسلامية واعتقال كافة القيادات الحزبية الاسلامية بتركيا يترك أردوغان، وفي 48 ساعة يكون لحزبه الجديد مقرات بكل الولايات التركية، بل ويكون الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش أول المهنئين له بعد فوزه فى انتخابات البرلمان التركي نهاية 2002م، ويتم الترويج له عالميا على انه نموذج الاسلام المعتدل القادر على احتواء كافة التيارات والافكار داخل الدول الاسلامية.
سنمار سورية الاخباري











Discussion about this post