يرتكب هواة السياسة حماقات ترقى إلى درجة الخطايا التي لا تغتفر ؛ فتراهم يتوهمون مقدرات وإمكانيات لا يمتلكونها ، فتأخذهم أوهامهم إلى مواقع ليست لهم ولا لأمثالهم
.jpg)
من محدثي الثروة والرفاه ، فيذهبون بعيداً في غيّهم جاهلين العواقب فيما إذا أزف الحساب.
والعالم كله ينتظر رد الفعل الروسي على استهداف كل من قاعدتي حميميم وطرطوس من خلال طائرات بدون طيار لا تتوفر إلا لدى دول معروفة، واستخدامها من قبل مجموعات إرهابية موجودة في محافظة إدلب لا يعفي الأنظمة التي زودت تلك المجموعات بها ، كما إن قيام القوات الفضائية والجوية الروسية بقصف قاعدة إطلاقها في إدلب لا يعني أبداً أن القضية انتهت بعد تدميرها ، فالأمر استدعى اجتماعاً روسياً على مستوى مجلس الأمن القومي للبحث في أساليب وأشكال وطبيعة الرد ، في وقت ما زالت فيه موسكو تنتهج سياسة ضبط النفس تجاه الكثير من العمليات العدوانية ضدها عبر تنظيمات إرهابية مدعومة ومرتبطة بدول معروفة ، وعلاقاتها معها واضحة بشكل جلي وهي تنفذ تعليماتها في التحركات الميدانية والسياسية على السواء، فكيف سيكون الرد الروسي أمام هذا التحدي ، بعدما سعى مطولاً لدفع القوى العظمى لاحترام القوانين والاتفاقيات الدولية ، وتأطير المصالح الدولية ضمن تلك القوانين والمعاهدات والتوافقات ؟
ربما ظن أولئك الهواة والمغامرين أن هذا الموقف الروسي ناجم عن تخوف من مواجهات كبرى قد تستعيد مرحلة الحرب الباردة ما بين الغرب والشرق زمن الاتحاد السوفييتي سابقاً ، وقد يعتقدون أيضاً أن روسيا غير قادرة على الرد العسكري والسياسي في ظل العقيدة السياسية والدبلوماسية التي اعتمدتها موسكو مؤخراً والمستندة إلى الالتزام بميثاق الأمم المتحدة واحترام القانون الدولي وتطبيق مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول والالتزام بالمعاهدات والاتفاقيات ، ولكنها سياسة لا تسمح بالمقابل بالاعتداء عليها سياسياً أو عسكرياً أو الإساءة إليها وإلى قواتها المسلحة بأي شكل من الأشكال ، ويضاف إلى هذه العوامل الظرف الراهن والتوقيت المصاحب لموعد الانتخابات الرئاسية وما يمكن لهذا العدوان أن ينعكس على مكانة وشخصية الرئيس فلاديمير بوتين والمكانة التي استعادتها روسيا في عهده من عودة فاعلة ومؤثرة في السياسة الدولية وإنهاء عصر القطبية الأحادية التي تلت انتهاء وتفكك المنظومة الشيوعية وصعود القطب الأميركي، وما يتهدد نظرية القرن الأميركي التي نادى بها منظّرون غربيون بداية الألفية الثالثة، وهي تنهار اليوم كلياً في ظل بروز قوى دولية كبرى تتبع سياسات تخالف الولايات المتحدة الأميركية وإن كان بنسب متفاوتة كالصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا ، إضافة إلى روسيا الاتحادية كقاطرة قيادية لمعادلة التغير الدولي الآخذة طريقها نحو التبلور والوضوح.
ولن يطول الوقت حين تحدد موسكو الجهة أو الجهات المسؤولة عن هذا الاعتداء بصورة رسمية وتعلن عن الإجراءات الرادعة والمناسبة ، وهي قد تتجاوز حدود منطقة تنفيذ العدوان وقد تعطي العلاقات الدولية أشكالاً غير مسبوقة وغير متوقعة ، ولن يطول الوقت كثيراً.
صحيفة الثورة – مصطفى المقداد











Discussion about this post