يبدو أن محمد بن سلمان قد التقط إشارات الرئيس الأمريكي إبان زيارته الرياض، وهو يحاول اليوم ترجمتها إلى واقع عبر إعلانه النية في تدمير الفكر المتطرف فوراً، والانتقال بالمملكة من غياهب الظلمات إلى عصر الانفتاح. جاء ذلك بعدما باتت ممارسات نظام آل سعود وطريقتهم في إدارة البلاد وحروبهم خارج الحدود محط انتقاد حتى أقرب حلفائهم في الغرب، وبالتالي لم يعد بالإمكان التغاضي عن ممارساتهم وتركهم يستمرون في الحكم وفق المنهج الذي اتبعوه منذ استيلائهم عليه مطلع القرن الماضي..jpg)
حاول بن سلمان غسل يدي أسرته من تفريخ الإرهابيين، معتبراً أن الظاهرة جاءت جراء ظروف خارجية، موجّهاً أصابع الاتهام إلى إيران، عندما قال: إنه قبل عام 1979 لم يكن للفكر المتطرّف وجود في مملكته، متناسياً عقوداً طويلة من قطع الرؤوس وجلد المعارضين، ومتماهياً في ذلك مع استراتيجية ترامب المتجهة نحو تأجيج الصراع مع إيران، ما يعني أنه أراد تحميل طهران مسؤولية انتشار التطرّف، وأن كل ما ارتكبه إرهابيون ينحدرون من أصول سعودية من عمليات تخريبية حول العالم، وفي مقدمتها ما جرى في أيلول عام 2001 في أمريكا، سببه إيران، وذلك في محاولة للتنصل من قانون “جيستا”، والذي بموجبه يحق لضحايا أحداث أيلول رفع دعاوى شخصية على النظام السعودي والحصول على تعويضات قدّرت بنحو 500 مليار دولار. ومن ذلك نفهم لماذا قال بن سلمان: إن مشروع “نيوم” الاقتصادي الذي أطلقه ستدعمه مملكته بنفس الكتلة المالية التي تنوي أمريكا مطالبة السعودية بها كتعويضات، بمعنى أنه يريد تسويق نفسه على أنه رجل إصلاح وعلى الحلفاء مساعدته في ذلك وتوجيه بوصلة الاتهام نحو الآخرين.
إذن يريد بن سلمان إصلاح ما لا يمكن إصلاحه، فالسعودية لا تزال تتربع على المركز الأول في تصدير التكفيريين، حيث يخرّج هذا النظام نحو 20 ألف داعية سنوياً وينشرهم في بقاع الأرض، حاملين معهم فكراً وهابياً تكفيرياً إلغائياً لا يعترف بالآخر، وهذا ما أسس لتكريس ثقافة القتل والتخريب، وأدى إلى تشكل تنظيمات تكفيرية لا تعد ولا تحصى، على شاكلة داعش والنصرة وقبلهما القاعدة.
حقيقة الأمر أن تصريحات بن سلمان ليست أكثر من كلام في الهواء، يحاول من خلاله فقط تسويق نفسه على أنه رجل التغيير والإصلاح لنيل ثقة واشنطن وإيصاله إلى الحكم، حيث أنه لو أراد أن يقرن القول بالفعل فهو سينسف التحالف القائم بين آل سعود وشركائهم في السلطة من آل الشيخ، وهذا ما سيخلق له صراعات داخلية لن تنتهي في ضوء ما يتمتع به الشركاء من قوة تأثير في الوسط السعودي، أضف إلى ذلك ما خلّفه انقلابه على أبناء عمومته من ضغائن ستتحوّل إلى صراعات بمجرد حصول أي خلل أو تحرّك في الداخل السعودي.
بعبارة أوضح: محاربة التطرف ليست أكثر من وسيلة لـ بن سلمان للتخلص من منافسيه على الحكم، بالإضافة إلى أنها ستكون سيفاً مسلطاً على رقاب الشعب المطالب بالتغيير، هذا من جهة، ومن جهة ثانية تتماشى مع السياسة الأمريكية تجاه إيران التي تعمل على تحميلها وزر كل ما حدث في منطقتنا، وهو بطبيعة الحال لا يختلف عما تسوّق له السعودية منذ عقود.
في النهاية فإن تصفية الفكر المتطرف عملية تراكمية تتطلب أولاً وضع دستور للبلاد وبرلمانات والاعتراف بحق المواطنة، ناهيك عن تغيير المناهج وأنماط التربية، بدءاً بالأسرة، وهذا بالمجمل يحتاج إلى زمن طويل وقناعة بالإصلاح، ولو أراد النظام السعودي حسب ادعاء بن سلمان الانتقال من الوهابية إلى الإسلام الوسطي المعتدل خلال فترة وجيزة فإن عليه أولاً تصفية إرث الأسرة الحاكمة التي تشتهر غالبية أعضائها بدعم وتمويل التطرف والإرهاب.
عليه بداية أن يتوقّف نظامه عن دعم الإرهاب في الخارج، وخاصة في سورية، حيث أكدت وثيقة مسربة عن وكالة الأمن الأمريكي تورط أمراء سعوديين في تأمين مواد متفجرة وصواريخ للمجموعات الإرهابية لتدمير دمشق، وبالتالي إن كان جاداً في تصريحاته عليه بداية محاسبة هؤلاء، والانتقال نحو أسفل الهرم، عندها ربما نقول: إن السعودية تتغيّر.
عماد سالم – البعث











Discussion about this post