فيما تتعزّز الوجهة النهائية للحرب الدائرة في سورية وعليها باضطراد ثابت يوماً إثر آخر، ومعركة إثر أخرى -وآخرها معركة الجيشين والمقاومة على الحدود السورية اللبنانية، وهي ليست تفصيلاً بسيطاً في مستقبل المنطقة- ويتجه أغلب الأطراف الفاعلة في فريق العدوان إلى الإقرار بالخسارة ومحدودية القدرة على تغيير هذه الوجهة، وبالتالي بروز ظاهرة عقلنة
الطموحات الجيوسياسية عند البعض والعودة إلى اعتماد الواقعية السياسية، أو ما يسمى بالـ “ريال بوليتيك”، وما يتطلّبه ذلك من بحث عن سلّم مناسب للنزول هنا، وأضحية معقولة تقدّم هناك، على درب العودة إلى دمشق، لا يزال فهم فريق ثانٍ ـ مكوّن من بعض الأفراد و”المنصّات”ـ للعبارة الأخيرة مقتصراً على المعنى العربي لـ “الريال”، باعتباره العامل الأساس الذي انخرطوا من أجله في اللعبة التي يتابعون بقلق وعجز اقتراب نهايتها، وبالتالي لم يعد أمامهم سوى العمل على رفع السقف السياسي إعلامياً كي يرفعوا، فعلياً، تعويض نهاية الخدمة بحيث يكفل لهم تقاعداً مريحاً بعد انتهاء وظيفة المعارضة التي امتهنوها، وأهانوها، زوراً وبهتاناً خلال السنوات الماضية.
وإذا كان ضجيج الفريق الثاني المسموع هذه الأيام لا يمكن تفسيره سوى بما سبق، فإن العودة إلى الواقعية السياسية عند الفريق الأول – وهو الفريق القائد للحرب – لم يكن، بدوره، نتيجة إيمان مستجدّ بالقانون الدولي وبحق الشعوب في اختيار نظام حكمها، وقياداتها، عبر الاحتكام إلى انتخابات ديمقراطية حرّة ومتساوية، كما برّر وزير الخارجية البريطانية موقف بلاده الجديد، ولا لأن الحرب على الإرهاب أولوية لا يتقدّمها أمر آخر، كما اكتشفت باريس مؤخراً، بل لأن الواقع الذي أفرزه صمود سورية والحلفاء في هذه المعركة، وشعورهم بأنهم سيخرجون من المولد بلا حمّص، هو ما فرض عليهم “مقاربات أكثر مرونة لاستجلاب مزيد من المصالح وتقليل أكلاف المواقف والسياسات الحادّة”، التي عملوا تحت يافطتها خلال السنوات السبع الماضية، وكل تفسير آخر لانعطافتهم ليس إلا محاولة لتكريس معادلة جديدة تقول: “إن سورية لم تنتصر، وإنهم لم يهزموا مع أتباعهم”، وهي معادلة تتيح لهم، في حال النجاح في تثبيتها، التنصّل، أولاً، من تبعات الجرائم التي ارتكبوها في سورية، والتذرّع، لاحقاً، بهذه المعادلة للدخول مرة جديدة من شباك معركة السياسة وإعادة الإعمار القادمتين، وهما معركتان يسيل لهما لعاب دول وشركات كبرى في هذا العالم.
بهذا المعنى لا يمارس هؤلاء السياسة كـ “فعل عقلاني يقوم على دراسةٍ واعيةٍ للظروف والمتغيّرات لتحقيق المصلحة” إلا فيما بينهم، فيما الانتهازية الرخيصة هي السمة الغالبة لتعاملهم مع شعوبنا، لذلك نراهم اليوم يتسابقون للتموضع على ضفاف تسويات قادمة تحفظ الدولة السورية بثوابتها المعروفة، حيث يعلن بعضهم مثلاً بأن “العلاقات مع سورية مرشّحة لمنحى إيجابي”، بذات السرعة التي تسابقوا فيها على الرهان على معادلة جديدة لحكم دمشق تقلب هذه الثوابت رأساً على عقب.
ولأنها السياسة، ولأننا نطمح لممارستها كفعل عقلاني، فمن الضروري، وفي هذه المرحلة تحديداً ـ مرحلة ما قبل النصر النهائي ـ أن “نلعبها” على مستويين: الأول خارجي ومضمونه استيعاب أن المعركة لم تنته بعد، وأن تركيز أطراف العدوان، وخاصة “القائد” الأمريكي، هو اليوم على الشرق السوري في دير الزور والرقة والحسكة، فهناك تجري محاولة إطلاق الطلقة الأخيرة في هذه الحرب، للحصول على موطئ قدم في المنطقة بأسرها ودمشق “الراسخة في لعبة الجغرافيا” تعرف ذلك جيداً وتتحضّر له، والمستوى الثاني هو المستوى الداخلي، فلن يكتمل النصر سوى بمعالجة جدية للثغرة التي دخل منها العدو من جهة، وترميم الشخصية الجمعية الوطنية السورية مما أصابها خلال هذه المرحلة من جهة أخرى.
وذلك كله لا يكون إلا عبر التسامح والغفران من ناحية، وتهيئة الظروف الموضوعية، دستورياً وقانونياً وإجرائياً، لاستكمال بناء حياة سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية صحية من ناحية أخرى، وهو أمر بأهمية المعارك الميدانية، لأنه وصفة البقاء الحقيقية الوحيدة في عالم متغير.
البعث











Discussion about this post