كان لدى الكرد علاقات قوية مع واشنطن وموسكو وطهران، حمتهم حتى وقت قريب من اندفاعات واعتداءات تركية ضدهم، إلا أن الأمور تبدو مختلفة اليوم، إذ تشعر تركيا أنها قادرة أكثر على استهدافهم في منطقة عفرين، ولو أن دون ذلك أثمان على تركيا أن دفعها.
يواجه كرد سورية لا يقيناً حاداً تجاه المستقبل، وخاصة مع إعلان تركيا عزمها على مواجهة "تهديدات محتملة" من جهة "عفرين"، حسب تعبير "نعمان قورتولموش" نائب رئيس الوزراء التركي، ما عده قائد الوحدات الكردية "سيبان حمو" بمثابة "إعلان حرب" من قبل تركيا.
جاء التهديد التركي للكرد من أكثر نقاطهم ضعفاً، وفي لحظة بالغة الحرج والخطورة، صحيح أن علاقتهم بواشنطن قوية، إلا موقفهم مع موسكو وطهران ودمشق ضعيف. وعفرين كما هو معروف تقع ضمن منطقة تأثير روسيا وإيران اللتين تجمعهما مع تركيا عملية أستانة.
.png)
وقد كان لدى الكرد علاقات قوية مع واشنطن وموسكو وطهران، حمتهم حتى وقت قريب من اندفاعات واعتداءات تركية ضدهم، إلا أن الأمور تبدو مختلفة اليوم، إذ تشعر تركيا أنها قادرة أكثر على استهدافهم في منطقة عفرين، ولو أن دون ذلك أثمان على تركيا أن دفعها.
حشدت تركيا قواتها في محورين الأول هو إعزاز – كفرنايا، والثاني هو بلدة أطمة قرب معبر باب الهوى. والهدف هو عزل عفرين والتضييق عليها، ومنع القوات الكردية من الوصل الجغرافي بين مناطق سيطرتها و"كانتوناتها". وقد عكست تصريحات أردوغان ما تطمح إليه الخطة التركية وهو "استعداد بلاده لعمل جديد في شمال سوريا وإلحاق الرقة ومنبج بمنطقة مسؤوليتها ضماناً لأمن الحدود التركية"، وهذا ما يجعل من عفرين عتبة في مسار تركي طويل ومعقد، يهدف ليس لإجهاض الكيانية الكردية فحسب، وإنما لتحقيق أوسع سيطرة ممكنة في شمال سورية أيضاً.
قد يكون الهدف هو إرهاب الكرد والضغط عليهم لقبول تسوية ما تتضمن انسحابهم من مناطق سيطرتهم لصالح قوات تركية أو موالية لتركيا، وإن لم يكن فالضغط على واشنطن التي سوف تبحث عن تسوية ما بين "حليفيها اللدودين" ضماناً لعدم التشويش على معركة الرقة، وإن لم يكن فـ "حصار" عفرين و"احتواء" أي طموح كردي لتوسيع السيطرة مدفوعين بقوة تحالفهم مع واشنطن ومستفيدين من "إنجازهم" في الرقة.
*
تبدو تركيا أكثر ثقة تجاه عمليتها الكرد، وذلك للاعتبارات التالية:
– ترى أنقرة موسكو وطهران أكثر اهتماماً بتفاهمات أستانة، وقد حاولت إدراج تفاهمات تمكنها من إرسال قوات وإقامة قواعد عسكرية في إدلب وأجزاء من ريف حلب.
– الولايات المتحدة لن تقدم دعماً كبيراً للقوات الكردية في عفرين، وقد أخبرتها بأن علاقتها "تكتيكية" مع القوات الكردية، فيما تركيا هي حليفها الموثوق، حتى أن وزير الدفاع الأميركي "جيمس ماتيس" بعث برسالة إلى نظيره التركي "فكري إشيق"، تتضمن معلومات عن الأسلحة المرسلة إلى "الوحدات" الكردية في سورية، وتعهدت بسحبها فور الانتهاء من المعركة ضد "داعش".
– لدى الروس تحفظات متزايدة حول اصطفاف الكرد مع واشنطن، وان الروس يرون ان التفاهم مع تركيا ذو عائدية سياسية واستراتيجية أكبر؛ وهكذا بدأ الروس – على ما تقوله مصادر تركية- بحسب جزء من قواتهم من قاعدة صغيرة قرب كفرجنة شرق عفرين باتجاه نبل والزهراء شمال حلب.
– دمشق ربما تفضل "احتواء" المشروع الكردي، أو مجرد الضغط عليه، حتى لو كان ذلك بيد عدوها تركيا، عدو عدوي هنا ليس صديقي، ولكن لا بأس من توجيه ضربة للقوات الكردية التي أخذت تواجه الجيش السوري، بوصفها ذراع برية لقوات التحالف، وقد سيطرت مؤخراً على مطار الطبقة وسلمته للجيش الأمريكي.
– مع سيطرة الجيش السوري على طريق عفرين – حلب في منطقة نبل والزهراء، شعر الكرد أن ثمة تفاهم بين تركيا وكل من روسيا وإيران ومعهما سورية لـ "احتواء" اندفاعة الكرد تجاه أمريكا عن طريق التضييق عليهم في عفرين.
– تحول الكرد من لاعب يمكن التعويل عليه في المشهد السوري، إلى ورقة تتجاذبها الاصطفافات الإقليمية والدولية، وبعد مفاضلتهم بين روسيا وأمريكا، ها أن "صالح مسلم" رئيس "حزب الاتحاد الديمقراطي" يغازل السعودية ويقول أن الكرد يواجهون ما سماه "تحالف تركي إيراني قطري"، كما أطلقوا تصريحات مناهضة للتعاون بين الحشد الشعبي في العراق والجيش السوري وحلفائه في مناطق الحدود بين سورية والعراق.
*
صحيح أن ثمة نقاط كثيرة يمكن لتركيا أن تستثمر فيها لمواجهة الكرد في عفرين، إلا أن الأمر من منظور الكرد ليس بهذا السوء، وثمة بالمقابل نقاط كثيرة يمكن للكرد التعويل عليها أو الاستثمار فيها:
– تطمينات واشنطن ورسائلها، يقول الكرد ان "بريت ماغورك" المسؤول الأمريكي في التحالف ضد "داعش" نقل "تطمينات أميركية" حيال التحركات التركية الأخيرة تجاه عفرين، وأكد على أن "تنفيذ تركيا أي هجوم على عفرين أو أي منطقة أخرى في شمال سوريا، سيكون بمثابة انقطاع آخر خيوط العلاقات الأميركية – التركية".
– يدرك الكرد مدى اعتمادية واشنطن عليهم في معركة الرقة، وان تحرك تركيا ضد عفرين هو أمر "مثير للقلق" وسوف "يشتت التركيز على عملية الرقة" بحسب تعبير ريان ديلون المتحدث باسم قوات التحالف.
– يتحدث الكرد عن أن القوات الروسية المتمركزة في كفرجنة قرب عفرين لم تغادر، بل ان موسكو زادت في عديدها عتادها.
– لدى القوات الكردية خبرة قتالية عالية، وهي تعرف كيف تقاتل الجيش التركي، الذي سبق أن حاول مباشرة أو عن طريق قوات موالية له السيطرة على تل رفعت ولم يتمكن من ذلك، كما أن سيطرته على مناطق عديدة كان يتم في إطار تسويات وتوافقات وليس مواجهات عسكرية فعلية. وقد ردت القوات الكردية على التهديدات التركية بأنها مستعدة للعمل على "تحرير مدينتي جرابلس وإعزاز من الاحتلال التركي"، وأن تداعيات المواجهة يمكن أن تنتقل إلى داخل تركيا نفسها.
*
تمثل عفرين عتبة خطيرة في الأزمة السورية، إذ ليس من السهل التوصل إلى تفاهمات مستقرة بهذا الخصوص، وإن أي خطة أو إجراء سوف تكون له تداعيات خطيرة على المشهد ككل، وهكذا فإن التحرك التركي محكوم بتفاهمات صعبة مع روسيا وإيران، وهناك تقديرات بأن تركيا تعرض إدلب مقابل عفرين، وهو عرض جيد في ظل ميزان القوى الراهن، غير أنه محفوف بالمخاطر أيضاً:
– لأن سيطرة تركيا على عفرين سوف تمثل تهديداً كبيراً لحلب في حال نكوصها عن الاتفاق أو تغير الموقف بينها وبين روسيا وإيران، ذلك أن تركيا معروفة بخروجها عن سياق تفاهماتها، فضلاً عن تراجعها عنها إذا أمكنتها الفرصة.
– سوف يكون لتخلي روسيا وإيران عن عفرين معنى القطيعة بينهم وبين الكرد، وهذا أمر يصعب تصوره، نظراً لحجم التعاون بينها خلال أطوار الأزمة السورية، وخاصة أن الكرد يسيطرون على المنطقة الشرقية، ويمكن أن تكون لديهم ردة فعل كبيرة، في ظل تراجع وجود مؤسسات الدولة المركزية هناك، كما أن الكرد مستعدين للمزيد من الانخراط في سياسة أمريكا في سورية.
والواقع أن روسيا وإيران تقيمان علاقات وثيقة مع القوات الكردية، وقد ذهب وفد مشترك إلى عفرين نفسها للقاء قيادات كردية وفواعل اجتماعية هناك، بعد التظاهرة الكبيرة ضد التهديدات التركية. (5 تموز/يوليو الجاري). واستبعد "طلال سلو" المتحدث باسم "قوات سوريا الديمقراطية – قسد" أن يكون للتوتر بين القوات الكردية والجيش السوري تأثير كبير على موقف دمشق من عفرين، قائلاً "هو لم يكن أكثر من توتر عابر دام بضع ساعات، وتمّ تطويقه، ولم يذهب أيّ من الطرفين نحو التصعيد".
يدرك الكرد أن التحالف مع الولايات المتحدة غير كاف لحماية عفرين، وقد قال "طلال سلو" ان "الأميركيين كانوا واضحين منذ بداية تعاوننا معهم، أبلغونا بصراحة أنهم لن يقدموا أيّ دعم لنا في منطقة عفرين ومحيطها"، ولكنه لم يستبعد أن تطلب واشنطن من أنقرة تأجيل موضوع عفرين إلى ما بعد الرقة، لكنهم "لن يحولوا بين الغزاة الأتراك ومحاولتهم تطويق عفرين".
تركيا لا يمكنها الاستيلاء على عفرين أو حتى محاصرتها من دون تفاهمات جدية مع فواعل المشهد في الشمال وهما روسيا وإيران وإلى حدٍ ما الولايات المتحدة، كما أن الكرد لا يستطيعون حمايتها من دون دعم روسيا وإيران.
وهكذا على الكرد وتركيا إن يتدبرا الأمر لدى موسكو وطهران، اللتين تملكان مدارك تهديد كبيرة تجاهما، وتاريخاً عريقاً في خبرة التفاوض، وتنظران إلى موضوع عفرين بوصفه "عتبة" هامة يجب تجاوزها بما أمكن من المهارة والقوة.
عقيل محفوض ـ الميادين نت











Discussion about this post