لم يكن إسقاط الطائرة الحربية السورية، وهي تقوم بواجبها الوطني والأخلاقي في محاربة “داعش”، سوى تأكيد أمريكي علني على صدق السردية القائلة: إن “التحالف الدولي” غير الشرعي لم يكن، منذ تشكيله، سوى ذراع جوية لجيش أمريكي جديد يمثّل “داعش”، وأشقاؤه، ذراعه البري المتواجد على الأراضي السورية والعراقية لتنفيذ مهمة واحدة، وهي التطبيق الأمثل للسياسة الأمريكية القائمة على إدارة الإرهاب والاستثمار فيه ضمن خطة أوسع لإعادة هندسة المنطقة بهدف تحقيق أكبر عائد ممكن من عملية النهب الكبرى الدائرة على قدم وساق..jpg)
وإذا كان تفنيد هذا التعاضد بين “داعش” و”التحالف” لا يحتاج إلى كبير عناء لإثباته رغم الضخ الإعلامي، الأمريكي والخليجي، الهادف للتعتيم على ذلك – يكفي مثلاً معرفة أن نحو “22.5” ألف غارة جوية لـ “التحالف” خلال أكثر من ألف يوم كانت نتيجتها مقتل نحو أربعة آلاف مدني، سوري وعراقي، من جهة، وحماية “داعش” وخطوط تمدّده نحو مناطق جديدة من جهة أخرى- فإن إسقاط الطائرة السورية، كعمل إجرامي علني، يوحي بأن التقاء الجيشين السوري والعراقي على الحدود المشتركة، وبالتالي تعطيل الدور الوظيفي الذي أُنشئت لأجله دولة “داعش”، أو من سيرثها وفق المخطط الأمريكي الجديد، بعد أن أصبح “داعش” عبئاً لا بد من التخلّص منه، كان عملاً أكبر من أن يتحمّله أصحاب حكام واشنطن باعتباره تجاوزاً غير مسبوق لخط أحمر أمريكي إسرائيلي مرسوم منذ زمن طويل رُصدت لأجل تثبيته موارد ضخمة، وكسره يعني فيما يعنيه وصول الرهانات المتعارضة إلى نقطة حرجة لم يعد يمكن معها الاكتفاء بالجيش الإرهابي البري، الذي لم ينجح في إيقاف تقدّم الجيش السوري، خاصة في ظل يقين الجميع بأن “المنطقة قادمةٌ على تغييراتٍ تاريخية، وكلّ معركة في الإقليم تسهم في رسم خريطة المستقبل”، فكيف إذا كانت معركة الحدود السورية العراقية التي وصفها وزير استخبارات العدو الصهيوني بـ “المعركة الحاسمة”؟!..
بهذا المعنى فإن فعل “الإسقاط”، وإن كان له جانبه الجرمي الجنائي الدولي من حيث كونه اعتداءً وقحاً على سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة وهي تقوم بمهمتها في محاربة الإرهاب بحسب الميثاق الدولي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، إلا أن له جانباً آخر، وهو فضحه حقيقة أن “لا حرب أمريكية على داعش”، بل حرب أمريكية بـ “داعش”، وبغيرها – يمكن القول بكل ثقة: إن العدوان الذي قامت به ما يسمى بـ “قوات سوريا الديمقراطية”، الذراع البري الثاني لـ “التحالف” على الجيش السوري في المنطقة ذاتها بعد إسقاط الطائرة يأتي استكمالاً برياً لأهداف إسقاط الطائرة ذاتها –
والأهم تأكيده على أن واشنطن التي تواجه كل تقدّم جديد للجيش السوري برد فعل إجرامي، لم تسلّم بعد بالحقائق الجديدة، كما أنها لن تسلّم بأي حقيقة ولن تلتزم بأي وثيقة، إلا الحقائق التي يكتبها رجال الميدان، والوثائق التي يرسم ملامحها وقع أقدامهم على الأرض.
بيد أن الرد السوري، والحليف، الذي جاء سريعاً جداً والمتمثّل باستعادة القوات السورية السيطرة على المنطقة ذاتها الذي جاء فعل “الإسقاط” الهمجي لمنع ذلك، ووصول هذه القوات إلى أبواب الرقة ودير الزور، وقيام الحليف الروسي بتعليق العمل بمذكرة أمن التحليقات الموقعة مع واشنطن بشأن الأجواء السورية، وتحذيره من أن “وسائل الدفاع الجوي الروسي ستتعامل مع أي جسم طائر كهدف”، معطوفاً على الرسائل الإيرانية الصاروخية ضد الإرهاب في ذات المنطقة، يعني أن القرار السوري، والحليف، ثابت لا رجعة فيه، وأن هذا العدوان أو غيره لن يثني “الجيش العربي السوري عن عزمه وتصميمه على مواصلة الحرب ضد تنظيمي داعش وجبهة النصرة الإرهابيين والمجموعات المرتبطة بهما”.
وبالتالي، ورغم كل ما حدث وما قد يحدث لاحقاً، فلا عودة عن قرار استعادة كامل الجغرافيا السورية، ولا مناطق آمنة فيها للإرهاب وحلفائه، وغير ذلك لا يعدو كونه “حديث خرافة يا أم عمرو”.
جريدة البعث











Discussion about this post