.jpg)
بالفم الملآن، وبصراحة لا تحتمل أي لبس أو تأويل، قال رئيس وزراء مشيخة قطر السابق حمد بن جاسم أنه، وبمعية إخوانه الخليجيين بالإضافة إلى تركيا والأردن والسيد الأمريكي، دعموا الإرهاب وارتكبوا جرائم في سورية، وبكل صراحة أيضاً تمّ الإعلان عن إطلاق رحلات جوية مباشرة بين الرياض و”تل أبيب” وبالعكس، بزعم نقل الحجاج الفلسطينيين، كما وقّعت الدوحة اتفاقية لشراء طائرات مقاتلة من أمريكا من طراز إف 15 بتكلفة مبدئية تبلغ 12 مليار دولار.
ذلك لم يكن محض صدفة، لجهة الزمان والمكان، بل إنه جرى وفق مخطط مرسوم بعناية، ويمكن وضعه في إطار التحالفات الجديدة، التي بدأت تتشكّل بعد زيارة ترامب إلى الرياض وما تمخض عنها من نتائج تأتي في مقدمتها محاولة دمج الكيان الصهيوني في تحالف مع السعودية وبعض دول الخليج، التي وصفها الرئيس الأمريكي بالمعتدلة، لمواجهة إيران، مستفيداً من رعونة نظام بن سلمان اللاهث وراء توريث ابنه الحكم وإقصاء من تبقى من آل سعود، وغرقه في الوحل اليمني، وتورّطه في دعم الإرهاب في سورية، وإصراره على سلوك طريق اللاعودة والتي فرضتها عقلية وهابية إقصائية تعتقد أنها تستطيع بسطوة البترودولار أن تشتري مواقف دول كبرى، والغدر بكل من يخالفها الرأي حتى لو كان حليفاً إلى وقت قريب، ولا مشكلة لديها إن طلب منها بيع حقوق الشعب الفلسطيني في سوق النخاسة الصهيوأمريكي.
وعلى ما يبدو فإن مشيخة قطر أدركت أنها ستكون كبش محرقة، وحاولت إنقاذ رأسها بذات الأسلوب السعودي، والمتمثّل بدفع مليارات جديدة إلى التاجر ترامب كي يتراجع عن مواقفه التي اعتبر فيها الدوحة الداعم الرئيسي للإرهاب، ولذلك جاء ظهور بن جاسم بعد أربع سنوات من التهميش ليعترف: “إن بلاده ليست وحدها من دعم وموّل الإرهاب”، وأن أنظمة كثيرة، ركبت حصان محاربته بعد أن فشل مخطط إسقاط سورية، متورطة حتى آذانها في ذلك. بعبارة أخرى، تريد قطر أن تقول للأمريكي “عليك التعامل مع الجميع بذات المنهج” وأعربت عن استعدادها لدفع ما يتوجب عليها وكانت صفقة الطائرات عربوناً لذلك.
لا نغالي إذا قلنا: إن السعودية وقطر وآخرين في الخليج يدفعون اليوم ثمن فشلهم في سورية مما تبقى في خزائنهم من أرصدة لاسترضاء ترامب وإعطائهم صك براءة من دعم الإرهاب الذي اعتبر مكافحته أولوية.
ورغم أن اليد الأولى كانت للإدارات الأمريكية السابقة في صناعته، فإن واشنطن وكعادتها تواصل في هذه المرحلة لعب دور المنشار، فهي استثمرت في تقوية شوكته لتدمير سورية وإنهاك جيشها كرمى لعيون “إسرائيل”، بتمويل خليجي، وتريد من هؤلاء ذاتهم أن يدفعوا ثمن التخلص منه واجتثاثه قبل أن يعود “الجهاديون” إلى بلاد المنشأ، وكي تستمر في حلب البقرة الخليجية، فهي من خلال تصريحات دبلوماسيتها لا تعطي الأمان لأي دولة من أدواتها، فرغم موافقتها الضمنية على حصار السعودية والإمارات لقطر تطلب في مكان آخر تخفيفه، أي أنها تمسك العصا من الوسط وتميل باتجاه من يدفع أكثر ويعلن انبطاحه وولاءه لـ “إسرائيل”، وربما يكون خط الرحلات الجوية مقدّمة لتنازلات أكبر وأخطر، وقد تكون فلسطين هي الضحية في مرحلة لاحقة.
ما كان خطاً أحمر، والمساس به من المحرمات، بات بالنسبة لأنظمة الخليج اليوم وسيلة لإنقاذ عروشهم المتهالكة، إن كان لجهة المال الذي يتصرفون فيه دون وجه حق، أو لجهة المتاجرة بالحقوق العربية المغتصبة، والعبث بأمن الدول العربية الرافضة للسياسات الغربية، وذلك بالمجمل سينعكس سلباً عليها، فشعبنا في الخليج، الذي يُحكم بالحديد والنار، بات قريباً أكثر من أي وقت مضى إلى الانفجار في وجه ممالك وأمراء الحرب، والمرتزقة الذين استقدموا من جهات الدنيا الأربع إلى سورية هم الآن في طريقهم إلى التهلكة والاندحار بفضل صمود وتضحيات الجيش العربي السوري.
ما يعني أن كل ما يفعله حكام الخليج لن ينقذهم، فهم في كل يوم يدقون إسفيناً جديداً في نعش حكمهم، جراء حماقتهم وتآمرهم الذي أدخلهم في نفق مظلم، وخروجهم منه بات في حكم المستحيل.
البعث











Discussion about this post