في سابقة، تسجّل لهما، كشفت حفلة “الردح” الإعلامي المتبادلة بين إعلام “الرأي والرأي الآخر” وإعلام “أن تعرف أكثر” حقائق عدّة، أهمها أن الطرفين نطقا، ولو لمرة
يتيمة، بالحقيقة حين اتهم كل منهما الآخر بدعم الإرهاب وتمويله وتسليحه، فقد “عرفنا أكثر” أن الدوحة تحمل “ومنذ إنشاء قناة الجزيرة لواء الترويج لأشرطة القاعدة ورموزها”، و”عرفنا أكثر” أن العاصمة القطرية تستعين “بمرتزقة الإعلام الذين باعوا أوطانهم..” أو المؤلّفة “جيوبهم”، كما وصفهم البعض، لتهديم الدول العربية، وأن “سموم قناة الجزيرة التي تبثها ضد دول شقيقة، وقاعدة العيديد”، يكشفان “دور قطر المنوط بها”، فيما لم يتوانَ أصحاب “الرأي والرأي الآخر” عن فضح دور الرياض وأبو ظبي في دعم الإرهاب ورعايته، أو في علاقاتهما السرية مع “إسرائيل”، وما أكثر الوثائق والأدلة في هذين الأمرين.
وبالطبع فإن طرفي حفلة الردح هذه تجاهلا، في معركتهما هذه، “مجلداتهما” السابقة التي سطروها في السخرية من نظرية المؤامرة وأصحابها، وعادوا لاستخدامها، كل بما ينفع حجته ويقوّيها، وأكثر من ذلك تناسى هؤلاء الحق بالاختلاف وحرية الرأي، اللذين رفعا لوائهما طويلاً، ليطالبوا “الجهات الأمنية” بالتعامل “بيد من حديد” مع “الخونة والأوغاد والسفلة والأوباش والعملاء”، وكل من يخالفهم الرأي أو الموقف السياسي.
لكن اندلاع المعركة الإعلامية بين حلفاء واشنطن الأقرب والأكثر تبعية وخضوعاً، والحدّة التي ميّزتها، وما تسرّب من كواليسها التي كشفت أن “غزوة” “أن تعرف أكثر” كانت مجهّزة سلفاً، بغض النظر عن صحة تصريحات “والي الدوحة” أو عدمها، يؤكّد أن هناك من كان يحضّر المسرح سلفاً للتصعيد كي يتفّرد بمرتبة الحليف الأولى بالرعاية، وبالتالي يستحوذ وحده على “القرار” في عواصم الخليج مقابل المليارات التي دفعها لـ “ترامب”، متكئاً على ما يتسرب من خلافات داخل الإدارة الأمريكية بشأن “وظيفة قطر المستقبلية” في ظل انتصار نهج “ترامب” الذي تفضّله “ولاية الرياض”، على نهج “أوباما” الذي اعتمد على “ولاية الدوحة” في تنفيذ سياساته، مع ضرورة الإشارة هنا إلى أن الخلاف بين هذين النهجين ليس جوهرياً، كما يعتقد البعض، والأهم ليس بين من يرفع لواء العروبة، ومن يسعى لإسقاطها، كما يروّج البعض الآخر، بل هو سباق بين من “يحلب أكثر” من البقرة الخليجية التي “ندافع عنها، وهم لا يدفعون لنا شيئاً”، كما قال “ترامب” في مناظرته الانتخابية الأولى قبل أن يصبح رئيساً.
إذاً هي معركة واضحة المعالم، وإذا كان الردح الإعلامي، باعتباره “كلاماً”، كان أولها كما في المثل العربي الشهير، فقد انتقلت “قبيلة الرياض” خطوة أخرى إلى الأمام، لكنها خطوة عملية هذه المرة عبر بيان التبرؤ الصادر عن أسرة “آل الشيخ”، وهو، في جوهره، عملية “نفي” قبلية لحكام الدوحة من جنّة “السلالة الوهابية”، باعتبارها قائدة المذهب الحاكم لعرب “الاعتدال” جميعاً، الأمر الذي يرقى في التقاليد والأعراف القبلية إلى مرتبة القتل المعنوي، الذي سيتبعه حكماً، إن لو لم يتدخل “الشيخ ترامب”، القتل الفعلي، سواء لشخص “والي الدوحة” تمهيداً لتنصيب غيره على كرسي الولاية، أو للدور شبه المستقلّ الذي تمارسه “الولاية” عبر إخضاعها الكامل للإرادة “السليمانية”، وهو ما يخطط “بن سلمان”، بحسب كاتب عربي، لتعميمه على أعضاء “مجلس التهاون” كلهم ليكونوا على شاكلة “عبد ربه منصور هادي” والي اليمن المعيّن من قبله.
بيد أن التجارب السابقة توضح أن نتيجة المعركة غير محسومة بعد، و”الشيخ ترامب” قد لا يسمح بالنتيجة الصفرية للمعركة، وبالتالي يمكن لـ “ولاية الدوحة” تجنّب هذا المصير فيما لو “دفعت أكثر” للسيد الجالس في البيت الأبيض، وحينها لن يكون عليه سوى رعاية حفلة “تبويس لحى” جديدة، قبل أن يعمد، هو أو من يأتي بعده، إلى إعادة إنتاج المسرحية ذاتها، كلما احتاج إلى استثمارات بمئات المليارات من الدولارات لخلق المزيد من “الوظائف والوظائف والوظائف”.
البعث











Discussion about this post