نعم، اتفاق “تخفيف تصعيد التوتّر” يشكّل خطوة في الاتجاه الصحيح ويفك تعقيدات الأزمة ويضعها على سكة الحل في حال التزمت جميع الأطراف بالاتفاق ليس فقط الدول الضامنة فحسب بل والدول المتدخّلة بشكل غير مباشر عن طريق تقديم الدعم بالمال والسلاح للتنظيمات الإرهابية، وعندها يمكن القول: إن هؤلاء جادون في تهدئة النار كمقدّمة لإطفائها والتفرغ لمحاربة الإرهاب الذي بات يقلق أمن واستقرار العالم..jpg)
ولأن الدولة السورية لم تأل جهداً في استغلال حتى أنصاف الفرص التي من شأنها وقف نزيف الدم والدمار، كانت أول المرحبين بالمبادرة الروسية، والتي شكّلت الفأس لكسر الجمود القائم في العملية السياسية التي تراوح مكانها منذ التوقيع على اتفاق وقف القتال في 30 كانون الأول 2016 جراء تسويف واشنطن وحلفائها في فصل من يسمونهم “معارضة معتدلة” عن الإرهابيين وكذلك فصل من يؤمنون بالحل السياسي عبر الحوار عمّن يقاتلون فقط بغرض الارتزاق وتنفيذ أجندات خارجية. كما أن الوثيقة بالمجمل تأتي في سياق توجيهات السيد الرئيس بشار الأسد خلال ترؤسه اجتماع اللجنة المركزية للحزب مؤخراً بـ “مواصلة العمل السياسي إن كان على صعيد استمرار سياسة المصالحات أو المشاركة في العملية السياسية في أستانا أو جنيف على أمل أن يسهم ذلك في حقن الدم السوري” الذي يستحق التجاوب مع كل جهد أو مبادرة لوقف نزيفه.
وثيقة تخفيف التصعيد، التي شملت أربع مناطق في ريف دمشق ودرعا وإدلب وحمص، تؤكد على ضرورة تسليم المجموعات المسلحة عتادها الحربي، وتشترط الالتزام الكامل بوقف الأعمال القتالية، وهذا لا يختلف بطبيعة الحال عن عملية المصالحات المحلية التي أطلقتها الدولة السورية منذ أعوام والقاضية بالعفو عن كل من سلّم سلاحه إلى الجهات المختصة وتعهد بعدم المساس بأمن الوطن والمواطن والعودة إلى ممارسة حياته الطبيعية، ما يعني أن خيارات الدولة السورية تتقدّم على الوثيقة المطروحة، وهي في جانب منها مكمل لما قدّمته الدبلوماسية الروسية من مقترحات خلال اجتماعات أستانا وجنيف بهدف التوصل إلى تفاهمات تخفف من معاناة الشعب السوري.
لذلك وبعيداً عن الاجتزاء مما جاء في الوثيقة والذي ستمارسه بعض وسائل الإعلام المشاركة في الحرب على سورية، والتي من المؤكد أنها ستبني تحليلاتها عليها لإظهار الغرب ومرتزقته في الداخل بهيئة المنتصر والحاصل على تنازلات، فإننا نؤكّد أن الوثيقة تشكّل في حقيقة الأمر نصراً لسورية وحلفائها وما كانت لتتم لولا الانتصارات المتسارعة التي يحققها الجيش العربي السوري على كل جبهات القتال ونجاح المصالحات المحلية حتى في أكثر المناطق التي كان يعوّل عليها الآخرون لإحداث تبدّل في الميدان يتكئون عليه للحصول على تنازلات على طاولة التفاوض السياسي.
لقد انطلقت الوثيقة من مبدأ أساسي متمثّل بوحدة سورية وسيادتها، وهذا يجعل من محاولات تقسيم سورية وتفتيتها وفق ما يشتهي الكيان الصهيوني ونظاما أردوغان وآل سعود أمراً بعيد المنال، وهذا يعني أيضاً أن الشعب السوري هو من يقرّر مستقبل بلده بنفسه وعبر الحوار دون تدخل خارجي، وهذا يتطلب من الغرب تنفيذ ما عليه من التزامات بالضغط على داعمي الإرهاب للالتزام بقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة لتجفيف منابعه، ورفع العقوبات الظالمة المفروضة على الشعب لتحسين وضعه المعاشي، وعودة من هجرهم الإرهاب إلى مناطقهم، وإعادة إعمار ما تهدّم.
نأمل أن تشكل هذه اللحظة صحوة ضمير ونقطة تحوّل في مواقف كل من ساهم في الحرب على سورية لوقف مسلسل سفك الدم والتدمير، فشعب صمد في مواجهة أشرس هجمة إرهابية تكفيرية يستحق أن ترفع له القبعة، وجيش قدّم تضحيات بالنيابة عن جيوش العالم يجب أن تنحني له الهامات، ولكن هل الغرب وأدواته في المنطقة على استعداد لتنفيذ انعطافة باتجاه مراجعة الحسابات والعدول عن الخطأ.. تصرفاته على أرض الواقع خلال المرحلة القريبة القادمة ستوضح المشهد أكثر حول أي طريق سيسلك.
البعث











Discussion about this post