لابد لأية ازمة في اي بلد كان من نهاية طال زمنها او قصر فالمسألة بالنتيجة تتعلق بالزمن والثمن والكلفة البشرية والسياسية والاقتصادية والمجتمعية المترتبة عليها وبتسليط الضوء على الازمة السورية يمكننا القول ان الازمة تجاوزت الحدود الوطنية والاقليمية الى الفضاء الدولي واصبحت على جدول اعمال ودائرة اهتمامات القوى الكبرى وعى طاولة راسمي الاستراتيجيات الكونية فالقضية خرجت من ايدي اللاعبين الصغار الذين اعتقدوا انها ستكون من سباقات المائة متر حيث تأتي النتائج سريعة ويتم التويج على المنصة وسط جمهور من المصفقين او الصامتين والشامتين ولكن غاب عن وعي اولئك الذين رتبوا المنصة على عجل انه سباق من نوع اخر بل ماراثون سياسي لا يستطيع دخوله او المغامرة فيه الا امتلك القدرة والارادة والصبر والثبات ..jpg)
أن قراءة المشهد بعد اكثر من ست سنوات على بداية الاحداث في سورية ومن ثم العدوان الارهابي عليها اصبح الشغل الشاغل للساسة ووسائل الاعلام والرأي العام العالمي لا لأهمية وموقع ومحورية الجيواستراتيجيا السورية فقط وانما وبالقدر نفسه الى قدرة السوريين على تجاوز الجغرافية السياسية الى الجغرافية الثقافية وولوج لعبة الامم في وقت مبكر وتشكيل حالة حضور فاعل في كل قضايا المنطقة وتجاوز الوطني الى الاقليمي والدولي الى درجة انه اصبح لسورية في كل كتاب سفر لا يستطيع ايا كان تجاوزه او اهماله او اسقاطه من حساباته دونما دفع ثمن باهظ وكلفة عالية لا طاقة لاحد القدرة على تحمل تبعاتها .
ولعل ابلغ من عبر عن هذه الحقيقة مستشار الامن القومي الامريكي في عهد الرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر زبغنيو بريجنسكي الذي قال قبل حوالي ست سنوات ان سورية هي الجهاز العصبي للعالم وهذا بالمعنى السياسي له مدلولاته ونتائجه واثاره فمحاولة اللعب بالورقة السورية يشكل للعالم صداعا مزمنا لا قبل لاحد فيه وبمعنى اخر ان استقرار سورية هو استقرار للمنطقة والعالم والعكس هو الصحيح تماما وهنا يصبح طرح السؤال الاشكالي الازمة السورية الى اين مساوق تماما للسؤال العالم الى اين .
ان عالم ما بعد نهاية القطبية الثنائية ونهاية السطوة الامريكية الغربية على مسار الاحداث والقبض على بوصلتها والتحكم بها هو عالم من لون اخر فاللوحة الدولية التي تتشكل الان فيها تركيز في الالوان على جوانب كانت باهتة والوان اخرى بدأت تفقد بعضا من درجة تركيزها وهذا يعني بالمجمل اننا نشهد ارهاصات اولى لولادة عالم لا يشبه كثيرا ما كان سائدا من عوالم سابقة ولعل المعطى الاساسي فيه هو ان القوة العسكرية لم تعد كافية لوحدها لتحدد خرائطه السياسية وانما اصبح الاقتصاد وفائض قوة المعرفة والتقانة والاتصال عامل اساسي وحاسم فيه لا بل ان القوة الناعمة وحسن ادارة الثروة البشرية وتحريك الرأي العام برزت صاحبة القول الفصل في كثير من القضايا والازمات الدولية والاكثر من ذلك تبدو قادرة على احداث اصطفاف عالمي عابر للحدود يفرض نفسه عل اصحاب القرار الاستراتيجي الدولي .
في هذا العالم الشبكي المتداخل تحللت السياسات الداخلية بكل اشكالها من سطوة الداخل عليها الى انخراطها وربما تماهيها مع الخارج وهنا يصبح الترابط بالمصالح العابرة للحدود يحكم او يتحكم بالكثير من القرارات ذات المنعكس الشمولي المتجاوز بأثاره للحدود الوطنية .
من خلال ذلك الترابط ودرجة التأثير والتأثر بين الوطني والاقليمي والدولي وتوازن الخسائر في حسابات الدول الكبرى تصبح التسويات بين الكبار هي القول الفصل في ازمات بهذا المستوى وهذه الدرجة من الاهمية على صعيد الامن والاستقرار الدولي وان كان لا ذلك لا يعجب بالتأكيد بعض اللاعبين الاقليمين الذين يكتشفون في لحظة ما انهم احجار في لعبة شطرنج بل وانهم بيادق في ساحتها الكبرى .
ان نجاح السياسة السورية في الانخراط الايجابي في لعبة الامم هو الذي جعل من ازمتها ازمة دولية ما جعل الخطر الذي يتهددها يشعر الاخرين -الذين اعتقدوا انهم بمنأى عن الحريق السوري -يعيدون النظر بحساباتهم ادراكا منهم ان الحريق سيطالهم لان الحقول متجاورة ولا احد يستطيع التنبؤ او التحكم باتجاهات الريح ؟
د خلف علي المفتاح











Discussion about this post