لماذا تضع هذه الأمة أسئلة نهوضها في خنادق الجدل العقيم؟ ولماذا لم تنجز بعد استقلالها السياسي وهي لا تزال بعد عقود من البحث عن البوصلة والميزان ترزح تحت ضغوط الهيمنة الاستعمارية من جهة, ومعارك الصراعات الداخلية المفتوحة على بعضها من جهة ثانية؟ وما بين هذا وذاك ما الذي يجعل من أمتنا المثكولة بأبنائها كسيرة الجناح؟ وهل ثمة ما يمنع من مباشرة التأسيس لصوغ الأسئلة النقدية لتواجه بها تلك المشكلات التي ذهبت بتأثيرها أبعد من جاهليتها القديمة في جميع مشاهد التوتر والتنافر والفتن الدموية قاتلة وقتيلة..jpg)
كذلك تشابكت أزمات الواقع العربي وضعفت معها أسئلة الخروج من محنته وبؤسه المثير للجدل حول حاضر لا يمكن الحديث عن مستقبله من دون إدراك موضوعي شامل لواقع التحديات وتعقيداتها المركبة في المجالات كلها, بينما الباحثون الضحايا لا يملكون شيئاً لحل إشكالات التناقض بين ما يطرح من حلول جاهزة لمشكلاتنا من جهة, وصعوبات التفكير فيما هو المسموح والممنوع من مناقشتها من جهة ثانية, وهو الأمر الذي يحيلنا إلى سؤال الحوار المأزوم هو الآخر باختلافاتنا العنفية حول أزمة العقل العربي والإسلامي وتداعياتها على منهج التفكير في معالجة قضايانا المصيرية المعلقة.
من المفارقات المؤلمة والساخرة في أن يتعلق أمر الاختلاف العربي – العربي, والإسلامي – الإسلامي مرة أخرى حول المرجعية الناظمة لمشروعنا الحضاري, وحول المعايير التي نقيس عليها دعوتنا الملحة إلى المراجعات النقدية, لكي نكشف عن حصاد ما غرسناه بأيدينا من بذور التجزئة والتقسيم والرضوخ التام لما اصطلحنا على تسميته ضرورات الاعتراف بحقائق الأمر الواقع وسلطته.
إذاً, ولكيلا يغدو الاعتراف بالأمر الواقع, حتى ولو كان زائفاً, نمطاً من أسلوب حياتنا أو ثقافة تنتهي بنا إلى نفق الاستسلام وتبرير أخطائه وخطاياه فيما شهدناه من انقلاب السياسات العربية تجاه الاحتلال وربطها, أي تلك -السياسات- بطوفان العولمة وجموح طغيانها الثقافي والإعلامي والاقتصادي والسياسي, فإن إعادة التفكير بمقومات البناء الذاتي للأمة وإمكاناته الفعلية من شأنه أن يفتح من جديد أسئلة المستقبل العربي من داخل الصراع الراهن وتحدياته المخضبة بأروع ما أنجزته المقاومة في تاريخها الناصع وإنجازاتها التي جعلت منها عنواناً مضيئاً لسؤال المشروع والمستقبل.
من هنا فإن اقتدارنا على بناء الذات العربية سيظل مرهوناً بشرطين اثنين:
أحدهما: تحصين الذات بثقافة المقاومة والحوار والسلم الأهلي.
ثانيهما: وضوح الرؤية العقلانية لمبادئ الإصلاح الديني والسياسي وذلك في إطار التنمية المستقلة المتحررة من التدخل الأجنبي ووصايته.
فلا مستقبل لمشروع حضاري عربي يربط تأسيس نموذجه الخاص وتطوره بالارتهان للنماذج المعادية, ولا مستقبل لمشروع عربي نهضوي يستعير حلول مشكلاته الاقتصادية والتعليمية والتربوية والتقنية من صدقات الآخرين ومشاريعهم, ثم لا يعي من وراء ذلك الشروط المعرفية لإنتاج مشروعه وإبداع الحلول لأزماته وفق نسقه الثقافي والأخلاقي فيصنع تاريخه هو استناداً إلى مقوماته وعناصره الحية, ولاسيما أن ما يجري على أرضنا اليوم ليس هو تاريخنا النابض بروح هويتنا, بل هو في مشهد التبعية والركون للأمر الواقع وفعل تاريخ المستعمر الرابض والمنتشر داخل عقولنا وثقافتنا, وأطلال ما تبقى من حضارتنا وتراثها المنهوب رسالة وذاكرة.
وبعد؛ إن سؤال الحضارة وما طرحته بعض النخب من أفكار حول ضرورة دمج المستقبل العربي في النظام العالمي الجديد وحضارته هو مجرد قناع لن يخفي عوامل التراجع العربي وأسبابه اللهم إلا أن يكون حلم المشاركة في صنع الحضارة الحديثة مسبوقاً بإنجاز خصوصيتنا الثقافية ومناعتها القادرة على التخلص من مخاوف التغريب وتحديات الاختراق بجميع أشكاله الثقافية والاقتصادية التي تهدد حق الأمة في استقلالها السياسي وتصادره.
وفي الراهن المعاصر لا يجوز تحت أي ذريعة من ذرائع الارتهان للأمر الواقع فصل المشروع الحضاري للأمة عن هويتها من جهة, وعن فكرها السياسي الناظم لبناء الدولة الوطنية من جهة ثانية, ويبقى السؤال التحدي هو: كيف نتحرر وإلى الأبد من ظاهرة الازدواجيات السياسية الفاشلة؟, وكيف نواجه أسئلة المستقبل في ظل هذا الانقسام الذي لا يريد أن يدرك مصالحه العليا في الوحدة الثقافية والاقتصادية تمهيداً لحل تناقضاته التي ما فتئت تلعب بطوائفنا ومذاهبنا الدينية وتوظيفها سياسياً لمصلحة المشاريع المعادية لجوهر مشروعنا الحضاري ووحدته؟, ولكيلا ينوب أحد عنا بطرح الأسئلة والإجابات, ولكيلا تبقى علاقة المثقف بالسلطة علاقة صراعية وعدوانية. يحضرني كلام للصادق النيهوم ونواقيسه يوم قال: «إن الشعوب التي تفشل في تشخيص أمراضها بشجاعة تموت عادة نتيجة تناول الدواء الخطأ».
صحيفة تشرين











Discussion about this post