لم يكن احتفاؤنا بـ”الجلاء” حالة بروتوكولية يوماً، فالعلامات الفارقة في تاريخ الشعوب وقضاياهم النبيلة لا تسقط بالتقادم مهما توالت السنون، رغم ما يعتريها أحياناً، من منعطفات ذات
صلة بعالم السياسة وعلاقاته وتحولاته.
فكم ابتهجنا سنوياً بتوثيق ذكرى الخلاص من الفرنسي، ونحن في ذروة التواصل الطيب مع أحفاد مَن أخرجناهم مِن أرضنا إرغاماً وعنوةً وقسراً، ليس نسياناً ولا تجاهلاً لحقائق التاريخ، بل سعي للسلام، سعي المزهو بنجاحه في صيانة قدسية وطنيته بكل أبعادها ومعانيها، ودون أن يسهو عن أن نزعة الاستعمار تكاد تكون حالة جينية أكثر مما هي نهج سياسي واقتصادي وثقافي.
فالآن يغدو لذكرى الجلاء في مناخات صمود سوريتنا عبر سنوات “سبع عجاف”، خصوصيتها في إنعاش ذاكرة الأجيال في هذا البلد المنافح دوماً عن كرامته وسيادته، لالتقاط الإرهاصات ذاتها التي عاشها الآباء والأجداد في مقارعة الفرنسي، الذي يختزل – كحالة – حقبة استعمارية متعددة الجنسيات والهويات.
نحتفي بعيدنا الوطني اليوم وكأن الزمن توقف بنا، بعد أكثر من سبعين عاماً، عند أربعينيات القرن الماضي، بكل ملامح وتفاصيل المشهد القديم.. استعمار واستهداف وحرب وعدوان آثم بغيض، وإن اختلفت الأدوات والوسائل.. ثم شعب يكابد ويجاهد ويدافع ليصنع الصمود كمقدمات للنصر و”الجلاء” الجديد.
ولعلّه من المدهش أن تنطوي رحلة زمنية مقدارها قرن إلا قليلاً، لتبقى الثوابت الوطنية مُهددة بذات التحديات، ومن ذات هويّات الهيمنة والغطرسة، فالتكتلات الاستعمارية تتناسخ، والاصطفافات الدولية لم تتغير، وكأن الوازع لها بصمة وراثية، وليس مجرّد مصالح تقتضي ما اقتضته من تحالفات استلاب وتقويض وانتهاك لحرمات الدول والشعوب الحرة..؟!!
فسلاطين بني عثمان لم يموتوا، وتشرشل بريطانيا مازال حياً، وكذلك شارل مارتل الفرنسي، وقراصنة البحر الباحثين عن الثروات في القارة الأميركية، كل هؤلاء بُعثوا من جديد بهيئة قتلة إرهابيين “جوّابي آفاق” تدفقوا من أربع جهات هذا العالم، ولُقّنوا سيناريو تدميري، يقضي بالانتقام من كل ملامح الحياة في سورية والمنطقة، ومسح الذاكرة الوقّادة لشعوب تحتفظ بمفاتيح تراث و”شيفرا” الحضارة الأقدم على الإطلاق في التاريخ الموثّق.
وبدا يقيناً أن الإرهاب هو الجيل الأخطر المطوّر من الاستعمار القديم، جرى إعداده و”استيلاده” بصمت، طيلة عقود خالتها الشعوب المتحررة للتو صفحة طوت ما قبلها، لتكتشف أنها لم تكن إلّا “هدنة” لإعادة إنتاج الأذرع والاستطالات المديدة، التي تنوب عن جيوش وجنرالات دول الطغيان.
نحتفل اليوم ونحن نجدد عزيمتنا على مقاومة استعمار يتجدد، فإن كان مؤسسو النزعات التدميرية ضمنوا استنساخات شيطانية لهم، عبر ثقافة الاستباحة التي أورثوها لأجيالهم، نبقى نحن السادة على أرضنا، لأننا أولاد وأحفاد أبطال ناضلوا وواجهوا و قهروا كل المتأبطين شراً بنا، فالشيخ صالح العلي، وسلطان باشا الأطرش، وإبراهيم هنانو، وحسن الخراط، والقائد المؤسس حافظ الأسد، ما زالوا خالدين أحياء في ضمائرنا وأذهاننا، أورثونا الكرامة في مواجهة المهانة، وعلمونا أصول البسالة في الدفاع عن السيادة.
وإن كنا قد انتصرنا على جيوش الاستعمار التقليدي بعتادها وعديدها، وتلوناتها وتبدلاتها، وصنعنا مفخرة طرد وإجلاء الفرنسي الغاصب، فإن وقائع الميادين المشرّفة تؤكد أننا سوف ننتصر ونطهّر الجغرافيا السورية قاطبةً، من دنس الإرهاب – الطراز الجديد لاستعمار قديم- وها نحن نصنع الجلاء الجديد، بإصرار جيشنا، وصمود شعبنا، وحكمة قيادتنا.
البعث











Discussion about this post