أية ديموقراطية، وأية انتخابات حرّة، تلك التي ترفع إلى البيت الأبيض دمية سياسيّة مستنسخة ومكرّرة؟ وما العمل إذا كانت أصوات المقترعين الأمريكيين تصبّ تلقائياً، ودائماً، في
مصلحة مشروع واحد هو مشروع الحرب: حرب جنرالات البنتاغون وعملاء الـ سي أي إيه والمجمع الصناعي العسكري، في وقت وصل إلى سدة الرئاسة شخص كان احترف البزنس على امتداد ماضيه، وبات يمارس اليوم المتاجرة السياسية المكشوفة بأرفع وأحقر مستوياتها، معلّقاً أماله المستقبلية على أول فرصة عسكرية متاحة لنهب الأموال الخليجية – استعادتها كما يقول -ومقاسمة حلفائه في الناتو أعباء مغامراته الدموية في العالم؟. ترامب الأضحوكة الذي يتّخذ قرار العدوان خلال سهرة عائلية، والذي يحرّك أسطول الامبراطورية بعد مسامرة مع ايفانكا، هو نفسه الذي يبدّل مواقفه خلال 24 ساعة، وهو الذي ينبطح أمام دولارات مراهق يستعد للخلافة يسمونه محمد بن سلمان، ويرتمي في أجندة خصومه الانتخابيين في الداخل، والأنظمة التي لطالما حمّلها مسؤولية الإرهاب الذي ضرب الولايات المتحدة في الخارج، متوهّماً أن بوسعه من خلال ضربة جوية فاشلة أن يتحوّل من أخرق ومرتبك إلى فزّاعة من شأنها أن تخيف سورية وإيران وكوريا الديموقراطية.. وروسيا أيضاً.
واضح أن الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة لم تجلب جديداً يذكر، وأن واشنطن لاتزال تدور في الحلقة المفرغة ذاتها من غياب الاستراتيجية. وعلى العكس، فنحن أمام حالة انتقال من موقف التردد والارتباك، الذي ميّز إدارة أوباما، إلى حالة الخضوع المباشر للضغوط الداخلية والخارجية، والغرق في الحسابات الشخصية أيضاً، وذلك في سابقة لا تشي تاريخياً إلا بأفول وتداعي الامبراطورية التي تشهد اليوم أخطر صراعاتها وتمزّقاتها، فضلاً عن لعبها دور أزعر الحي بدلاً من التصرّف المسؤول الذي تمليه اعتبارات العظمة. ولكن ما يمكن تلمّسه من هذا الاستعراض الأحمق للقوة المتوحّشة، ومن ذلك الشبق في تقديس العنف الأعمى، ومن تلك الحاجة إلى تكريس الإدمان على ممارسة الإجرام المجرّد من أية اعتبارات ضميرية، لا ينطوي إلا على غرائزية قطيعية لا تليق إلا بكائن وضيع خارج عن السياقات الحضارية، ومسخ مشوّه، شكلاً ومضموناً، اعتاد على الفضائحية في الحياة الخاصة والعامة، واختبر البذاءة والإسفاف كقاعدة سلوكية، وألف ممارسة الارتكاسات البهائمية كبروتوكول هروب يمكن من خلاله التخلّص من الشعور بالحصار باختراع فريسة/هدف أساء مسبقاً تقدير قدراتها وقوتها وتصميمها وثباتها، ولم يتمعّن في توضعات خطوطها الحمر، والمدى الذي رسمته في جرأتها للدفاع عن كيانها السياسي وحقوقها السيادية.
لم يبرهن ترامب، بعد ثمانين يوماً من تسلّمه مهام “شغلته” المستجدّة، إلا عن هزالة سياسية وشخصية هي نتاج خالص لذهنية المتاجرة التي طالما تبجّح بها، وروّج لها كخشبة انقاذ للأزمة العميقة والمتمادية التي تعصف باقتصاد الولايات المتحدة، وهو لم يدرك من معنى للقوة العظمى الأمريكية إلا السطو على خزائن الأتباع، والعمل لحسابهم في إطار عقود حراسة، إن اقتضت الضرورة.. لص شوارع محترف، سلاحه التوماهوك المدفوعة الثمن سلفاً، وأداته السحرية ترتيب تبادل الخدمات مع مجموعات إرهابية أصولية، يتاجر علناً بمخاطرها على الأمن والحضارة الغربية فيما هو يعتاش على إجرامها ومقاطعها الدعائية المصوّرة بترتيب مع عتاة مجرميه في الاستخبارات السرية؛ فأي وحش هذا الذي خرج لتوّه من الحظيرة لترمي به الشعبوية اليائسة والبائسة على قارعة طريق السياسة العالمية؟، وأي مستقبل ينتظر البشرية في ظل وصول هكذا إمعة تتندر صفحات التواصل الاجتماعي، وبكل اللغات العالمية، بسلوكه الأخرق وتصرّفاته الكاريكاتورية وتلميحاته الجنسية الفاقعة وثقافته الضحلة؟.
إن حشرة تافهة وضارة من هذا النوع كان الأجدى أن تبقى في حدود مستنقعاتها لا أن تعطى منبراً تستطيع من خلاله التباهي.. ولكنها دائماً تلك الخطيئة “الديموقراطية” القاتلة التي أوصلت هتلر وموسوليني وأردوغان إلى السلطة، وبأصوات المحبطين والتائهين والمسحوقين أبداً.
البعث











Discussion about this post