منذ أن تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن الإشادة بنظيره الروسي فلاديمير بوتين بعد شهرين على توليه منصبه في البيت الأبيض، اتضح أن الأمور لا تسير بالشكل التي يريدها كل من قطبي العالم، لأن المناخ السياسي في واشنطن أثقلته التحقيقات الرسمية حول تو
اطؤ ممكن بين فريق ترامب ومسؤولين روس خلال الحملة الرئاسية الأميركية في 2016،
وهذه وحدها باتت تشغل عامة الأميركيين، وليس المسؤولين في الكونغرس والقضاء وحدهم، وتضغط على الإدارة الجديدة وتحد من خياراتها الخارجية ما يعني أنه لا توجد حالة حب أو أي شيء من هذا القبيل مع روسيا حسب ما صرحت به نيكي هيلي مندوبة أمريكا الدائمة لدى الأمم المتحدة، بل زادت أن الروس يدركون استرجاعنا لقوتنا وصوتنا مرة أخرى، وأننا تسلمنا زمام القيادة.
وبات ترامب يشعر أنه محاصر من مراكز القوى في أمريكا وأجهزة مخابراته التي ما زالت تفتح له الملفات، الملف تلو الآخر، لهذا أراد أن يثبت لنفسه أنه قادر على الخروج من هذه الدائرة أو على الأقل إظهار شيء من التمرد على اللوبيات المتحكمة في صنع القرار، لهذا اتخذ قرار العدوان على مطار الشعيرات دون الرجوع إلى الكونغرس، وبذلك يكون قد ذهب بعيداً في سياسته وأسقط من حساباته شعاره البراق بمحاربة “داعش” الذي روّج له على مدى حملته الانتخابية، وبالتالي فإن ذلك سينطوي على مخاطر دولية كبيرة أولها إرباك الساسة النمطيين الذين اتبعوا على مدى عقود طويلة خطوطاً كلاسيكية في سياستهم الخارجية، وثانيها الإشارة الواضحة للتصعيد ضد موسكو بعد الانتصارات الكبيرة لها ولحلفائها في الميدان العسكري السوري في محاربة الإرهاب العالمي، والنجاح الدبلوماسي في أستانا وجنيف، ما يعني بالضرورة أن تحوّل الإستراتيجية الأمريكية المفاجئة هو بالدرجة الأولى لإلهاء موسكو والحلفاء عن محاربة الإرهاب وقطع جذوره، وإدخالهم في متاهات الأروقة الدبلوماسية، وهذا ما شهدناه قبل أيام في مجلس الأمن الدولي بعد مزاعم الكيميائي في خان شيخون، التي كانت بدون أدنى شك ذريعة لعمل عسكري يرضي فيه ساسة الداخل والخارج معاً، وقد يكون له، أي للعدوان العسكري، بعداً ثأرياً لإسقاط الطائرة الإسرائيلية من صواريخ سورية – روسية يعتقد أنها أطلقت من نفس محيط مطار الشعيرات.
لاشك أن ترامب نفذ ما يكون أقرب “عدوان الضجة” لكن دون دراسة التبعات الخطيرة لتلك الضربة التي في غير محلها وتوقيتها، فمن جهة أثبت ترامب للعالم أنه رجل أحمق وغير منضبط سياسياً، وأن مراكز صنع القرار في أمريكا ليست على سياسة واحدة، والاختلاف الناشئ في المراكز ستتحمّل تبعاته دول العالم وليس موسكو وحلفاؤها وحدهم، ولن يتم تحسين الصورة الداخلية لأمريكا، ومن جهة ثانية اتساع دائرة الفوضى وابتزاز دول البتر ودولار أكثر بعد توارد معلومات عن توجه أموال خليجية إلى واشنطن لشراء المواقف.
ولهذا فإن السلوك الأرعن لترامب ما هو إلا رسالة لموسكو أن أمريكا تريد تعديل قواعد اللعبة لا تغييرها، وإيصال الرسالة الأخرى بأنه تمّ إسدال الستار عن حقبة سلفه باراك أوباما ليوثّق نفسه رئيساً لأمريكا وأنه قادر على اتخاذ قرار الحرب والسلم، وبالتالي فإن الحوار الدبلوماسي الروسي- الأمريكي سيتأزم لأنه من الصعب قراءة سلوك ترامب وتصرفاته خاصة أنه حتى الآن لم تضع إدارته إستراتيجية واضحة للتعامل مع القوى الأخرى.
البعث











Discussion about this post