انطلق الحوار الوطني الشامل في العاصمة السورية، دمشق، في 25 فبراير 2025، بحضور نحو 600 شخص من مختلف المحافظات السورية، وذلك في إطار السعي لإدارة المرحلة الانتقالية. وتم تقسيم المشاركين إلى 6 مجموعات لمناقشة 6 ملفات رئيسية أبرزها: العدالة الانتقالية، وصياغة الوثيقة الدستورية، وقضايا الحريات الشخصية، والمبادئ الاقتصادية للبلاد. وكان من المتوقع أن يستمر عمل اللجنة التحضيرية للمؤتمر قرابة الشهرين لإنجاز مخرجات متماسكة، خاصةً ما يتعلق ببناء توافقات حول دستور جديد للبلاد والتحضير للانتخابات، إلا أن السرعة القياسية لعقد المؤتمر أثارت قدراً واسعاً من الشكوك والانتقادات، وهو ما يرجح أن يفشل هذا الحوار في تحقيق اختراق ملموس بشأن القضايا المحورية، ولا سيما المتعلقة بالعدالة الانتقالية، والبناء الدستوري وغيرهما.
انتقادات متعددة
انطلقت جلسات الحوار الوطني الشامل بشكل سريع ومفاجئ، حيث جاءت بعد نحو أسبوع فقط من عمل اللجنة التحضيرية للمؤتمر، وهو ما تسبب في توجيه انتقادات واسعة لإدارة الحوار، والتي يمكن عرضها على النحو التالي:
1- السرعة في الانعقاد وقصر مدة التحضير: جاء انعقاد مؤتمر الحوار الوطني السوري، مفاجئاً في توقيته، وهو ما يفسر قيام اللجنة التحضيرية بإرسال الدعوات للمشاركين بالمؤتمر في وقت كانت لا تزال فيه جلسات الاستماع للمتخصصين قائمة، ناهيك عن قصر المدة، حيث عُقد المؤتمر على مدار يومين فقط، وحُدد يوما 24 و25 فبراير 2025، وهو ما أثار شكوكاً كبيرة، ومخاوف من تكرار الطريقة البعثية التي كانت تعتمد على عقد مؤتمرات شكلية. وبحسب العديد من التحليلات، فقد كانت السمة البارزة للمؤتمر هي سوء التنظيم وحالة الفوضى، وضيق وقت المداخلات.
2- إقصاء التيار الكردي من المشاركة: عُقد الحوار الوطني السوري بمشاركة قطاع واسع من الأطراف المعنية بالتطورات التي تشهدها الساحة السورية، غير أنه تم استبعاد المكون الكردي من الجلسات التحضيرية ومن المؤتمر النهائي، واكتفت الإدارة السورية الجديدة بتوجيه دعوات شخصية لعدد من العناصر الوازنة في مدن شمال شرق سوريا، وهو ما أثار غضب الإدارة الذاتية الكردية، التي أكدت أن المؤتمر لا يعكس واقع التعددية السياسية والقومية في البلاد، ولا يضمن تمثيلاً حقيقياً لجميع المكونات الوطنية. كما أصدر نحو 35 حزباً كردياً بياناً في 25 فبراير 2025 انتقد ما أسماه التمثيل “الشكلي” في مؤتمر الحوار الوطني السوري، وأضاف أن المؤتمر لا يمثل “حقيقة المكونات السورية”.
3- غياب شخصيات مدنية وازنة: غاب العديد من ممثلي الحركات المدنية السورية الوازنة، وبخاصة التي كانت تعمل من الخارج إبان فترة حكم “بشار الأسد”، وانخرطت في دعم العمليات العسكرية التي أطاحت بالنظام السوري في 8 ديسمبر 2024، من بينهم السياسي البارز جورج صبرا المقيم في فرنسا، وسهير أتاسي، وسمير نشار، بالإضافة إلى غياب ممثلين عن الأحزاب السياسية وشخصيات معارضة ورجال دين مناهضين لـ”الأسد”، من أبرزهم الشيخ معاذ الخطيب رئيس “الائتلاف السوري”، والداعية البارز الشيخ أسامة الرفاعي، شقيق الراحل سارية الرفاعي، الذي شغل منصب مفتي الجمهورية.
كما غاب عن المؤتمر أنس العبدة، وعبد الباسط سيدا، وهادي البحرة، وأحمد الجربا، وكذلك رئيس الوزراء المنشق رياض حجاب. ويرتبط غياب هؤلاء الموجودين بالخارج بالمفاجأة من ضيق الوقت، حيث وُجهت لهم الدعوات دون تواصل مسبق، وقبل يوم من موعد انعقاد المؤتمر.
4- قصر المدى الزمني لجلسات الحوار: تم تسريع وتيرة إدارة جلسات الحوار لتنتهي جميعها على مدار اليومين، وذلك نظراً لحرص الإدارة الجديدة على توظيف جلسات الحوار والبناء عليها خلال المرحلة المقبلة للمضي قدماً في العملية السياسية بما فيها تشكيل حكومة موسعة في مارس 2025، وتمرير الإعلان الدستوري الذي يمثل الغطاء القانوني والدستوري لممارسات السلطة الجديدة في البلاد، وبالتالي إعطاء الإدارة شرعية إضافية. وفي رؤية السلطة السورية، وبحسب بعض التحليلات، فإن إطالة أمد جلسات المؤتمر ربما يُربك الإدارة الجديدة، التي تسعى لتشكيل حكومة جديدة، مع قرب انتهاء حكومة “البشير” المؤقتة، التي تشكلت في 9 ديسمبر 2024، وتنتهي في مارس 2025.
5- غياب الرؤية الاقتصادية للخروج من الأزمة: على الرغم من مساعي الإدارة الجديدة لإعادة هيكلة الاقتصاد الذي يعاني من تدهور غير مسبوق، كشف عنه انهيار سعر صرف العملة المحلية، وتراجع معدلات النمو، وغياب الاستثمارات الخارجية، فإن الحوار الوطني بدوره لم يقدم رؤية استراتيجية بشأن واقع ومستقبل اقتصاد البلاد، إذ جاءت مناقشات الملف الاقتصادي فضفاضة، ناهيك عن أن البيان الختامي للمؤتمر جاءت مخرجاته أقرب إلى أفكار عامة، حيث طالب بإطلاق عجلة التنمية الاقتصادية، وتطوير قطاعات الزراعة والصناعة، عبر تبني سياسات اقتصادية تحفيزية، تعزز النمو وتشجع على الاستثمار وحماية المستثمر، وتستجيب لاحتياجات الشعب، وتدعم ازدهار البلاد.
6- التوظيف السياسي للمواقف الدولية: يشير توقيت انعقاد مؤتمر الحوار الوطني في 24 و25 فبراير 2025 إلى سعي الإدارة السورية الجديدة لتوظيف بعض المكاسب الخارجية لتحقيق انتصار داخلي، وإمكانية الاستفادة منها في تبرير ممارساتها السياسية في الداخل، إذ تزامن انعقاد المؤتمر مع قرار الاتحاد الأوروبي، في 24 فبرابر 2025، بتعليق مجموعة من العقوبات المفروضة على دمشق، بما في ذلك تلك المتعلقة بالطاقة والنقل وكذلك المعاملات اللازمة للأغراض الإنسانية وإعادة الإعمار. كما يبدو أن الإدارة الجديدة سعت إلى توظيف نجاح “مؤتمر دعم سوريا” الذي استضافته العاصمة الفرنسية باريس في 15 فبراير 2025، والذي أكد على أهمية تحشيد المواقف الإقليمية والدولية لدعم العملية السياسية في سوريا.
رسائل محددة
هناك جملة من الدلالات المهمة التي عكسها مؤتمر الحوار الوطني السوري، ويتمثل أبرزها فيما يلي:
1- ترسيخ حكم هيئة تحرير الشام بقيادة “الشرع”: اعتبرت العديد من التقديرات، وأصوات المعارضة السورية الجديدة الرافضة لتوجهات الإدارة السورية، أن مخرجات الحوار الوطني رسخت هيمنة نظام هيئة تحرير الشام بقيادة أحمد الشرع على الحكم، بما يتضمن استمرار سيطرته على إدارة البلاد لما بعد المرحلة الانتقالية، وتوفير آليات إدارة ورسم توجهات المشهد السياسي السوري خلال المرحلة المقبلة. كما تشير رسائل القوة التي حملها البيان الختامي للحوار، وخطاب الشرع أمام الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، إلى أن الإدارة الجديدة قادرة على ردع الخصوم المحليين، وتهميشهم في المشهد السياسي المقبل.
2- محاولة السلطة الجديدة تغيير صورتها الذهنية: استهدف الحوار الوطني تغيير الصورة الذهنية للإدارة السورية الجديدة، وذلك لتخفيف حدة الانتقادات المحلية والخارجية. وهنا، يمكن فهم تضمين البيان الختامي للمؤتمر التأكيد على أهمية ترسيخ قيم التعايش السلمي وتحقيق العدالة الانتقالية، وضمان حقوق المكونات الدينية والقومية، وتكريس سيادة القانون والحريات العامة والمواطنة كأساس لعقد اجتماعي جديد. وبالتوازي، سعى الحوار للتأكيد على أهمية تحقيق التنمية السياسية وفق أسس تضمن مشاركة كافة فئات المجتمع في الحياة السياسية، واستصدار القوانين المناسبة لذلك، والتأكيد على إجراءات العزل السياسي وفق أسس ومعايير عادلة.
3- توفير غطاء دستوري لإجراءات المرحلة الانتقالية: كشف البيان الختامي للمؤتمر عن حرص الإدارة الجديدة على توفير غطاء دستوري للمرحلة الانتقالية، وكان لافتاً هنا إصدار إعلان دستوري مؤقت لتنظيم المرحلة الانتقالية، تضمن تحديد ملامحها بالإضافة إلى تحديد دور مؤسسات الدول بجانب تحديث هوية الدولة السياسية والاقتصادية، وشكل نظام الحكم والعلاقة بين السلطات.
4- الرغبة في توظيف القوة ضد الخصوم المحليين: على الرغم من مساعي الإدارة السورية الجديدة لتسوية الملفات الخلافية مع قوات سوريا الديمقراطية “قسد” من أجل تعزيز فرص بناء هياكل الدولة السورية، إلا أن مؤتمر الحوار الوطني جاء كاشفاً عن إصرار الإدارة الجديدة على توظيف القوة الصلبة ضد الخصوم المحليين، وبخاصة “قسد” بعد رفض تسليم السلاح والإصرار على تبني نظام الحكم الفيدرالي. وكان الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع قد أشار خلال افتتاح المؤتمر إلى أن “وحدة السلاح واحتكاره بيد الدولة ليس رفاهية، بل فرض وواجب”، وأضاف: “سوريا لا تقبل القسمة، بل إنها كل متكامل وقوتها في وحدتها”.
ويُشار في هذا الصدد إلى أن العلاقة بين “قسد” والسلطة السورية الجديدة وصلت في الآونة الأخيرة إلى مستوى غير مسبوق بعد رفض “قسد” حل نفسها والانخراط في وزارة الدفاع السورية مقابل الإصرار على الاندماج في الجيش الوطني ككتلة لا كأفراد، وهو ما ترفضه الإدارة السورية الجديدة نهائياً.
5- استباق المخاطر المتوقعة في محافظة السويداء: لا تنفصل تحركات الإدارة الجديدة لجهة تسريع وتيرة الحوار الوطني عن الرغبة في محاولة استباق المخاطر التي تشهدها محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية، والتي تقع جنوب البلاد. وتتصاعد مخاوف الإدارة الجديدة من تطورات المشهد في السويداء بعد الإعلان عن احتمال تشكيل عسكري جديد في المحافظة تحت مسمى “المجلس العسكري”، والذي تزامن مع تصريحات أطلقها شيخ عقل الطائفة الدرزية، حكمت الهجري، في 23 فبراير 2025، عبّر فيها عن “استيائه” من التحضيرات المتعلقة بمؤتمر الحوار الوطني، ومطالباً بـ”تدخل دولي لضمان دولة مدنية وفصل للسلطات” في سوريا. وفي ضوء ذلك، أكد المؤتمر على “وحدة الجمهورية العربية السورية، ورفض أي شكل من أشكال التجزئة والتقسيم”.
6- محاولة إثبات القدرة على تحييد التدخلات الخارجية: شهد المؤتمر الختامي للحوار الوطني الشامل التأكيد على وحدة الأراضي السورية وتأمين سيادتها، وهو ما عكسه إدانة التوغل الإسرائيلي في الأراضي السورية والمطالبة بانسحابه فوراً، فضلاً عن تأكيد قدرة الدولة السورية على مواجهة ما يهدد أمنها القومي. وهنا، يمكن فهم تأكيد البيان الختامي على سيادة البلاد على كامل أراضيها واستحالة التنازل عن أي جزء من أرض الوطن.
تحديات قائمة
وختاماً، يمكن القول إن الحوار الوطني السوري نجح نسبياً في تقديم صورة ذهنية مغايرة للدولة السورية من خلال التأكيد على الابتعاد عن إفراز نموذج مماثل لنظام حكم عائلة “الأسد” الذي استمر قرابة ستة عقود، بالإضافة إلى نجاح الحوار في إيصال رسالة للخارج تشير إلى رغبة السلطة الجديدة في بناء مجتمع يرتكز على التعددية والتسامح، بيد أن ثمة تحديات قد تضع مخرجات الحوار على المحك، خصوصاً في ظل غياب تيارات قومية ومدنية وازنة عن الحوار.