“فكرة اندماج قوات سوريا الديمقراطية ضمن الجيش السوري، برعاية أو وساطة فرنسية تواجه مجموعة من التحديات البنيوية سواء على المستوى السياسي أو الأمني أو حتى السيادي.
باريس رغم حضورها الرمزي في الملف السوري لا تمتلك النفوذ الكافي للضغط أو الضمان خصوصًا أنَّ الملف بيد قوتين أساسيتين: موسكو وواشنطن. فرنسا تتدخل فقط من الهامش، وتلعب على المساحات الرمادية التي تتركها القوى الكبرى
من جهة النظام السوري أي حديث عن اندماج قسد يجب أن يكون مشروطًا بـ:
حلّ الإدارة الذاتية بالكامل
حلّ البنية العسكرية لقسد/YPG
عودة سيطرة مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية دون استثناء.
وهذا بالضرورة يتناقض مع الحد الأدنى من مطالب قسد التي لا تزال تعتبر نفسها شريكًا شرعيًا في محاربة الإرهاب ولديها دعم أمريكي مباشر ولن ترضى بالاندماج تحت سقف أمني سوري تقليدي بدون ضمانات دولية واضحة وهي تعلم تمامًا مصير فصائل أخرى دخلت سابقًا في تسويات مشابهة.
من هنا فإن ما تطرحه فرنسا — إن كانت تطرحه — قد يكون أقرب لـجس نبض أو طرح ناعم للتمهيد السياسي وليس مشروعًا فعليًا له أدوات التنفيذ على الأرض.
الاندماج لن يحدث بدون تسوية دولية شاملة تشمل توازنات جديدة في شرق الفرات وضمانات روسية – أمريكية مشتركة وربما تعديلات دستورية لاحقة وهو ما لا يبدو متاحًا في المدى القريب.
بالمختصر:
فرنسا تستطيع أن تطرح… لكنها لا تستطيع أن تُلزم.
والنظام قد يُساير… لكنه لا يُقدّم تنازلات بلا مقابل سيادي.
وقسد تدرك أنها أقوى اليوم مما ستكون عليه بعد أي اندماج مشروط.”
باريس اليوم تُستخدم رمزيًا وأحيانًا تستخدم نفسها لملء الفراغ في لحظة جمود أمريكي وتكتيك روسي.
لكنها لا تمتلك لا قوات ميدانية فعالة في سوريا ، ولا أوراق ضغط على دمشق
ولا قرار نهائي من قسد التي تلتزم بـ”الخط الأحمر الأمريكي”
إذًا، الوساطة الفرنسية ليست إلا مُقاربة ديبلوماسية ناعمة، هدفها كسب النفوذ في مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي – إن حصل. واذا الحديث عن “اندماج” حاليًا أقرب للخطاب الديبلوماسي من أن يكون مشروعًا واقعيًا
ما دلالة نقل المفاوضات إلى باريس؟
الدلالة السياسية:
نقل اللقاءات (أو المداولات) إلى باريس يعني عمليًا:
نزع الطابع الأمني السوري عنها: بعيدًا عن دمشق أو قاعدة حميميم.
إرسال رسالة لواشنطن بأن فرنسا حاضرة كضامن محتمل، وشريك أوروبي “أكثر نعومة” مقارنة بالأمريكان أو الروس.
رغبة “قسد” بحوارٍ لا يتم تحت الضغط العسكري أو المخابراتي، كما حصل في لقاءات سابقة بدمشق أو القامشلي.
من جهة فرنسا:
باريس تحاول إعادة تموضعها كقوة سياسية في شرق المتوسط، بعدما تراجعت مكانتها في الملف اللبناني – السوري.
هي تلعب اليوم دور “المسهّل الأوروبي”، في ظل تردد أميركي – وضغط روسي على قسد.
من جهة النظام:
النظام يوافق على الجلوس خارج أراضيه فقط إذا كان واثقًا أن اللقاءات لن تفرض عليه تنازلات حقيقية.
ربما يسعى لاختبار ما إذا كانت باريس قادرة على “تهذيب” شروط قسد.
الدلالة الأهم؟ هذه ليست مفاوضات رسمية بعد، بل محادثات جسّ نبض، برعاية ناعمة، لم تصل بعد إلى طاولة فيها خرائط أو ملاحق أمنية.
كيف تبدو المفاوضات بعد أحداث السويداء؟
قوى إقليمية ودولية باتت أكثر اقتناعًا بضرورة ترتيبات لا مركزية
بعد السويداء برزت قناعة لدى بعض العواصم (باريس، موسكو، حتى القاهرة) بأن:
الحكم المركزي الكامل لم يعد واقعيًا في سوريا
وأنه لا بد من إدخال ترتيبات إدارية خاصة في بعض المناطق (شرق الفرات، الجنوب، وربما لاحقًا إدلب)
هذا الجو العام ينعكس على شكل المفاوضات، حيث تصبح مطالب قسد أكثر قبولاً للنقاش، وإن بقيت مرفوضة رسميًا.
خلاصة القول :
“بعد السويداء صار واضحًا أن دمشق لم تعد تتحكم بكل الجغرافيا ولا بكل الشرعيات المحلية.
وهذا يضعها في موقف تفاوضي أكثر تعقيدًا أمام قسد التي تقرأ المشهد كالتالي:
إن كانت السويداء ترفع صوتها سلمًا… فلماذا نحن الذين قاتلنا داعش وأقمنا إدارة فعلية، لا نحصل على مساحة تفاوضية أوسع؟
لكن حتى الآن، تبقى كل المفاوضات محكومة بلعبة أعصاب إقليمية أكثر منها تفاوضًا داخليًا حقيقيًا.”
المحامي الدكتور بشير بدور












