يستقر دفتر سميك فوق جارور النقود في دكان صغير بأحد أحياء جرمانا. تبدو صفحاته مثل سجل عادي، لكنها في الحقيقة تحمل قصصاً كثيرة عن أصحابها، فبين سطور هذا الدفتر تتجمع حكايات الديون الصغيرة التي تكشف حال العائلات في الحي.
يفتح أبو يوسف الدفتر بين حين وآخر، فتظهر أسماء كثيرة كُتبت بخطوط مختلفة. إلى جانب كل اسم قائمة قصيرة من الأشياء: بيض، خبز، بندورة، بسكويت للأطفال، وأحياناً كيس شيبس. مشتريات بسيطة في ظاهرها، لكنها تتحول مع الوقت إلى ديون مؤجلة تنتظر يوماً تُسدَّد فيه.
يقول أبو يوسف إن هذا الدفتر أصبح مرآة لوضع الناس المادي في الحي. فمعظم الزبائن لم يعودوا يدفعون ثمن حاجاتهم فوراً، بل يتركونها مؤجلة في صفحات الدفتر. ومع مرور الأيام تتراكم الأسماء والسطور، ويكبر الدفتر كما تكبر قصص أصحابه.
يقول أبو يوسف وهو يقلب الصفحات ببطء: “تلت رباع الناس تأخذ أغراضها بالدَّين.. حتى لو أخدوا بيضتين أو ثلاث بندورات.. بيسجلوه على الدين”. في إشارة إلى أن الدين أصبح نمطاً يوميّاً مألوفاً في الحي.
ويوضح أنه أصبح يعرف الزبائن من طريقة دخولهم ويعرف من سيقول له هذه المرة بعد أن يأخذ حاجياته: “سجّلها عالحساب”.
دفتر الدَّين الذي لا يُغلق
لكن المشكلة بالنسبة لأبي يوسف تبدأ عندما يحين وقت السداد. فكثير من الأسماء تبقى في الدفتر طويلاً، وبعضها ينتظر حوالة من ابن يعمل خارج البلاد أو مساعدة من قريب. لهذا اضطر في فترات سابقة إلى التوقف عن البيع بالدَّين تماماً. يقول وهو يهز رأسه: “قبل سقوط النظام بطلت دين العالم فترة طويلة”.
لم يكن السبب تأخر الناس في الدفع فقط، بل تقلب سعر الصرف أيضاً. ففي تلك الفترة كان الدولار يرتفع بسرعة، ما يعني أن المبلغ الذي يخرج من الدرج بالليرة السورية يعود إليه بعد أسابيع بقيمة أقل.
“الدولار كان يطلع فجأة ألف أو ألفين.. وأنا عم إخسر”. يقول أبو يوسف.
حتى اليوم ما تزال المشكلة نفسها تتكرر، فقد يقرض أحد الزبائن عندما يكون الدولار عند مستوى معين، ثم يعود الزبون ليسدد المبلغ نفسه بعد أن يكون السعر قد ارتفع مئات الليرات. في تلك اللحظة يشعر أبو يوسف أن المال الذي عاد إليه ليس بالقيمة نفسها التي خرجت من الدكان. يقول: “بديّن الناس والدولار بحدود 11000.. وبيرجعوا يسددوا لما يصير 11700”. ويضيف بنبرة تجمع بين العجز والضيق: “يعني احتمال الخسارة كبير”.
ستة أشهر سلف
في مكان آخر من ريف دمشق، يأخذ الدَّين شكلاً مختلفاً تماماً. فهنا لا يتعلق الأمر بعلبة حليب أو ربطة خبز تُسجل في دفتر دكان الحي، بل بمبلغ أكبر يقترضه رجل ليتمكن من استئجار سقف يؤوي عائلته.
أبو أنور (اسم مستعار) يقول لموقع تلفزيون سوريا، إن رحلة البحث عن منزل للإيجار استغرقت وقتاً طويلاً. البيوت المتاحة كثيرة، لكن الأسعار مرتفعة “بشكل لا يصدّق” حسب تعبيره.
المشكلة الأكبر كما يقول لم تكن في قيمة الإيجار الشهرية وحدها، بل في شروط الدفع التي يفرضها كثير من المالكين.
المنزل الذي وجده أخيراً كلفته مليون ونصف المليون ليرة شهرياً، وهو مبلغ جيد مقارنة بغير منازل، لذلك قرر قبوله بسرعة. لكن المالك وضع شرطاً واحداً: “طلب ستة أشهر سلفا“، يقول أبو أنور.
وإلى جانب الأشهر الستة المدفوعة مقدماً، كان عليه أيضاً دفع مبلغ تأمين، إضافة إلى عمولة المكتب العقاري الذي أجرى الاتفاق. عندما جمع كل هذه المبالغ، وجد نفسه أمام رقم كبير: نحو 12 مليون ليرة يجب دفعها دفعة واحدة. “اضطريت أتدين 10 ملايين من أبناء عمومتي”، يقول.
اليوم يعيش أبو أنور في المنزل الذي استأجره مع دين كبير يحاول تسديده تدريجياً. يعيد لأقاربه نحو مليون ونصف ليرة كل شهر، وهو مبلغ يقتطع جزءاً كبيراً من دخله.
يقول وهو يحاول ترتيب الأرقام في ذهنه: “رح خلّص الستة أشهر قبل ما خلّص الدين“. يصمت قليلاً، ثم يضيف الجملة التي تختصر القلق الذي يرافقه منذ توقيع عقد الإيجار: “وما بعرف شو بدي أعمل بعدها”.
عندما يصبح الصديق “بنكاً”
تتشكل بين الأصدقاء والأقارب شبكة غير معلنة من السلف الصغيرة التي تتحرك بصمت داخل الحياة اليومية، وتقوم عملياً بوظيفة تشبه البنوك، لكن من دون عقود أو ضمانات.
رامز واحد من الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم في قلب هذه الشبكة. يعمل في منظمة بدمشق، ويقول إن راتبه أعلى قليلاً من متوسط الرواتب في محيطه، الفرق الذي جعل الناس يرونه شخصاً يمكن اللجوء إليه عندما تضيق الأمور.
يقول لموقع تلفزيون سوريا: “تقريباً أنا عم أسلف كل الأصدقاء”. في البداية لم يكن يفكر كثيراً في الأمر. كانت المبالغ صغيرة ومتفرقة، مساعدة هنا وأخرى هناك. لكن مع الوقت بدأ يلاحظ أن جزءاً كبيراً من دخله لم يعد موجوداً فعلياً في حسابه، بل موزعا بين عدة أشخاص ينتظرون الوقت المناسب للسداد.
“صرت فكر إني لازم أجمع مصاري”، يقول، قبل أن يضيف بنبرة تجمع بين المزاح والتعب: “بس لما بطلع حوالَي بلاقي مصرياتي موزعة بين الأقارب والأصدقاء”.
الدين ليس للرفاهية
يرى رامز نفسه عاجزاً عن الرفض في كثير من الأحيان، فمعظم الطلبات التي تصله لا تتعلق برفاهيات أو كماليات، بل بحاجات أساسية يجد صعوبة في تجاهلها، ويذكر مثالاً ما يزال عالقاً في ذهنه، يشرح بالنسبة له لماذا يصبح الرفض شبه مستحيل: “مرة دينت قريبي مبلغ كبير نوعاً ما حتى يعمل عملية قلب مفتوح“.
في مثل هذه الحالات، لا يشعر أن الأمر مجرد مساعدة مالية يمكن التفكير بها بهدوء أو تأجيلها، بل موقفا إنسانيا يفرض نفسه. لذلك يختصر الأمر بجملة بسيطة يقولها بعد لحظة صمت: “ما فيني أرفض”.
عندما يأكل التضخم الدَّين
لكن مع مرور الوقت ظهرت مشكلة أخرى لم يكن رامز يفكر فيها كثيراً في البداية: تقلب سعر الصرف. فبينما يحاول منذ مدة جمع جزء من دخله بالدولار ليتمكن يوماً ما من تأمين كلفة السفر خارج سوريا، يجد نفسه في كثير من الأحيان يقرض المال بالليرة السورية لأصدقائه وأقاربه، ثم يستعيده بعد أسابيع أو أشهر في وقت تكون فيه قيمة العملة قد تغيرت.
بهذا المعنى، لا يشعر أنه يخسر المال مباشرة، لكنه يدرك أن ما يعود إليه ليس بالقيمة نفسها التي خرجت من يده. فالمبلغ الذي كان يمكن أن يتحول إلى مدخرات بالدولار يتآكل تدريجياً مع كل ارتفاع جديد في سعر الصرف.
وفي كل مرة يحدث ذلك، يشعر أن جزءاً صغيراً من خطته للادخار والسفر قد تأخر خطوة أخرى، حتى لو بقيت السلف نفسها مسجلة في ذهنه كنوع من المساعدة التي لا يستطيع أن يرفضها.
عندما لا يبقى أحد.. “الدين بالفائدة”
لكن ليس لدى الجميع قريب أو صديق يمكنه المساعدة. فعندما تُستنزف الخيارات داخل العائلة أو بين الأصدقاء، يفتح باب آخر أكثر قسوة: “الدين بالفائدة“.
يمكن ملاحظة انتشار هذه الظاهرة في سوريا من خلال متابعة محتوى الفيسبوك في صفحات المحافظات السورية. حيث تتم هذه الصفقات، رغم حساسية الموضوع الدينية والاجتماعية، عبر أفراد ينشرون طلب مبلغ للدين على صفحات فيس بوك ويعرض من يستطيع تلبية الدين خدماته والضامن يمكن أن يكون رهن منزل أو عقار أو سيارة وربما سندات أمانة.
يلجأ الناس لهذه الطرق عندما لا يبقى أي باب آخر مفتوحا: لا قريب يمكن أن يقرضهم، ولا صديق يستطيع المساعدة، ولا راتب يكفي لسد الحاجة الطارئة ولا قروض تمنحها الدولة لموظفيها.
في تلك اللحظة، يصبح الدين خياراً لا علاقة له بالثقة أو المعرفة الشخصية، بل بعلاقة مؤقتة بين شخصين لا يعرف أحدهما الآخر، تجمعهما حاجة ملحّة من جهة، وفرصة للربح من جهة أخرى.
شبكة غير مرئية
بين دفتر الدكان، وسلف الأقارب، وإيجار البيوت المدفوع بالدين، تتشكل شبكة غير مرئية من القروض الصغيرة التي تدير جانباً كبيراً من الحياة اليومية في سوريا.
هذه الشبكة لا تظهر في تقارير الاقتصاد، ولا في بيانات البنوك، ولا في أرقام الموازنات الرسمية. لكنها موجودة في أماكن أبسط بكثير: في دفاتر الدكاكين المصفوفة قرب صناديق الحساب، وفي الرسائل القصيرة بين الأقارب، وفي المكالمات المتأخرة التي تبدأ غالباً بجملة خجولة وتنتهي بوعد بالدفع لاحقاً.
هي اقتصاد موازٍ يقوم على الثقة أكثر مما يقوم على العقود، وعلى العلاقات الاجتماعية أكثر مما يقوم على المؤسسات. اقتصاد تديره الحاجة اليومية، وتُحفظ حساباته في الذاكرة أحياناً، أو في دفتر صغير، أو في كلمة تُقال بسرعة قبل مغادرة الدكان.
وفي نهاية كل هذه السلاسل الصغيرة من الديون، تتكرر الجملة نفسها تقريباً، كأنها اتفاق غير مكتوب يحفظ توازن العلاقات بين الناس: “أول ما بقبض برجعلك”.










