”ما ينبغي أن تطمح به بغداد على وفق القراءة السياسية الموضوعية، أن يتحلى الأتراك بالإنصاف السياسي والأمني والتجاري في العلاقة مع العراق، وكذلك مع سوريا، ومن النصيحة هنا أن نضيف سوريا، إذ ليس بمقدور الأتراك أن يحققوا علاقة متطورة مع بغداد بمعزل عن تطور موازٍ في العلاقة مع دمشق
.”
مع حسم توجه رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم إلى بغداد والإشارات التي أصدرتها أنقرة عن عزمها فتح صفحة جديدة مع العراق، يظل الشرط الأساسي لتحقيق ذلك أن تكون المصالح المشتركة المتعادلة هي القاعدة، وأن تتخلى تركيا عن حلم الأبوة العثمانية التي تلجأ إلى ترويجه بين الحين والآخر عندما تتعاطى مع الشأنين العراقي والسوري، وابتكارها المزري لما يسمى بالحدود العاطفية للدولة التركية الذي لا سابقة لهذه البدعة في العلاقات الدولية؛ لأنها تمثل خروجًا صارخًا منافيًا للحدود الجغرافية، بل وأيضًا مساومتها لبغداد على العلاقة مع حكومة إقليم كردستان، أو ما تطرح من وصاية لا ساس لها من الواقع على مدينة كركوك بذريعة وجود المكون التركماني هناك، وكذلك ما فعلته في زج قواتها وصولًا إلى عقرة تحت طائلة ملاحقة مسلحي حزب العمال الكردستاني التركي.
أعتقد جازمًا أن بغداد وهي تستقبل رئيس الوزراء التركي لا تطمح منه أن يقدم اعتذارًا لها عن مواقف أنقرة السابقة القائمة على الاستهانة بالحقوق العراقية جغرافيًّا وأمنيًّا وسياسيًّا، وليس في حساب العراقيين أن يجعلوا من أنقرة حليفًا لهم كامل الأوصاف، لأن ذلك غير ممكن في كل الأحوال، ولكن ما ينبغي أن تطمح به بغداد على وفق القراءة السياسية الموضوعية، أن يتحلى الأتراك بالإنصاف السياسي والأمني والتجاري في العلاقة مع العراق، وكذلك مع سوريا، ومن النصيحة هنا أن نضيف سوريا، إذ ليس بمقدور الأتراك أن يحققوا علاقة متطورة مع بغداد بمعزل عن تطور موازٍ في العلاقة مع دمشق.
إن من المصلحة المركزية لأنقرة إعادة رسم أولويات سياساتها الإقليمية والدولية على أساس أن النوم في (عسل) انتظار انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي رهان خاسر في كل الأحوال على الأقل، خلال ربع القرن القادم لأسباب أدرجتها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أكثر من مرة واحدة، والأسبق من ذلك، الشروط الخمسة والثلاثون التي وضعها الاتحاد الأوروبي كمفتاح لانضمامها إليه، فضلًا عن أن العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية تخضع منذ فترة إلى مد وجزر وفق اشتهاءات مصالح واشنطن المرسومة للمنطقة، ولا أعتقد أن فرصة أنقرة ستكون سانحة في تصحيح هذه العلاقة مع الرئيس الأميركي الجديد ترامب لاعتبارات من بينها أن الأميركيين ليس في حسابهم أن يعطوا ضمانات دائمة لحلفائهم حتى وإن كانوا من (أعمدة) حلف الناتو.
وإزاء ذلك أيضًا وبمراجعة بسيطة للأوضاع الاقتصادية التركية لا بدَّ من الأخذ بحقيقة أن المتغيرات الإيجابية التنموية التي حصلت في الاقتصاد التركي خلال عهد الرئيس أردوغان جاءت أصلًا عندما كانت أنقرة على علاقة طبيعية مع كل من دمشق وبغداد، وكان مجموع التبادلات التجارية مع العاصمتين العربيتين أكثر من عشرين مليار دولار سنويًّا، في حين تراجع هذا المعدل إلى الصفر في العلاقة مع سوريا منذ أن دخلت تركيا على خط الأزمة عام 2011 وفتحت حدودها للمعارضة السورية وللمجاميع الإرهابية في التدفق على الأراضي السورية، حيث وجدوا الملاذ الآمن في المدن التركية الجنوبية، فضلًا إلى ما أتيح لهم من فرص لفتح مكاتب في أنقرة واسطنبول وأزمير وأدنه وديار بكر وغيرها من المدن التركية.
إن الموقف التركي الجديد بإطلالته على العراق وعلى سوريا لا بدَّ وأن يمثل فرصة مؤاتية لأنقرة، ولكن الوضع بحاجة إلى تقديم ضمانات أن هذه الخطوة ليست تكتيكية فرضتها العلاقة مع روسيا وإيران، وإنما هي خطوة تصحيحية للطبخة السياسية التي كان وزير الخارجية السابق داود أوجلو عرابًا لها، وقد كشف عن ذلك في كتاب له عن مستقبل تركيا وترويجه لسياسة الاحتواء بوصفها السلوك الأفضل لها إقليميًّا، على أساس أن النفوذ التركي سيساعد أنقرة على تسهيل انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي.
لا شك أن أنقرة خسرت كثيرًا خلال السنوات الخمس الماضية، ومن العقل أنها اكتشفت ذلك أخيرا، وأن استمرارها في سياستها القديمة سيجلب عليها الكثير من المشاكل ليس فقط في مناطقها الحدودية الجنوبية الغربية ولا في مناطقها الجنوبية ولا في الجنوبية الشرقية، وإنما في العمق التركي الرخو، وهكذا لا بد للسياسة التركية الجديدة أن تدفع أنقرة لالتقاط أنفاسها حقًّا.
الوطن العمانية











Discussion about this post