كاد المشهد في حلب يطوي حقبته الدامية ويخرج المدينة من دائرة الصراع الإقليمي والدولي الذي لازمها منذ تمو
ز 2012، عبر تسوية (روسية_تركية) تقضي بخروج من تبقى من المسلحين بمختلف راياتهم وتبعياتهم، بعدما حشروا خلال الأسابيع الثلاثة الماضية في زاوية خانقة لاتتجاوز مساحتها ثلاثة من الكيلو مترات المربعة.
الاتفاق الذي تولاه الجانبان الروسي والتركي، بعد حسم معركة حلب لمصلحة الجيش السوري وفق الحسابات العسكرية، تم تعطيله في اللحظات الأخيرة، نتيجة الحجم الكبير والحقيقي للمسلحين حيث بلغ عددهم قرابة 5000 ألاف، ليتجاوز مجموعهم مع عوائلهم 15 ألف، الأمر الذي أظهر خداع الجماعات المسلحة وفق تعبير مصدر عسكري ميداني، الذي نوه مبينا" (لقد أبلغونا في البداية بإن عدد الذين سيغادرون شرق حلب هو 2000 لكننا اكتشفنا أنه أكبر من ذلك).
لذلك سارعت دمشق وحلفاءها لوضع مفاعيل جديدة للاتفاق، ولاسيما بإنهم في وضع ميداني وتفاوضي أقوى، يقطع الطريق أمام المجموعات المسلحة والدول الداعمة لها ولاسيما تركيا الحصول على هدايا مجانية، وهو أمر مرفوض حسب تعبير وزير الخارجية السوري.
موسكو التي أصرت بداية الأمر على إن يسلم المسلحون أنفسهم أو يقتلوا، قبيل التوصل للاتفاق مع أنقرة، يسمح لهم بالخروج الآمن بعد ضغوط غربية رفيعة المستوى، عادت لتقبل اعتراض حلفائها بعد امتعاض دمشق ومن خلفها طهران وحزب الله الذي طالبوا، بالحسم الكامل، أو الاتفاق الشامل الذي يعكس حجم الانجازات والتضحيات، يتضمن اسس جديدة، قوام مفاعيله تتراوح بين: ((فك الحصار عن كفريا والفوعا أو إخراج الحالات الإنسانية منهما، وتحرير المخطوفين المدنيين والعسكريين المتواجدين لدى المجموعات المسلحة المدعومة تركيا"، كمخطوفي ريف اللاذقية ومطار كويرس، واستعادة جثامين الشهداء ومعرفة مصير المفقودين))، مقابل خروج هذا العدد الكبير من المسلحين وعائلاتهم من الأحياء الشرقية في حلب، ﻷن إخراج هذا العدد يتطلب عملا" سياسيا" على مستوى دولي وليس حديثا" جزئيا"، وفق المصدر العسكري، الذي أضاف "إن أي اتفاق حول حلب يجب أن يحظى بموافقة جميع الأطراف وفي مقدمتهم الحكومة السورية ومن الطبيعي موافقة حلفائنا الروس والإيرانيين"
زيف ادعاءات المجموعات المسلحة والسعي التركي لتحقيق مكاسب سياسية بعد تراجع نفوذ مجموعاتها عسكريا"، ورغبتها بالظهور الراعي الإنساني من خلال استقبالها للراغبين بالخروج، وإقامتها مخيمات على حدودها في خدمة هذا الغرض الذي يمهد لإعاد هيكلية المسلحين المنسحبين وإعادة دمجهم ضمن "قوات درع الفرات" لتدعيم قوتها ونفوذها في الشمال السوري، بالإضافة لعدم رغبة الجناح القاعدي (جبهة النصرة) بالخروج نحو ريف إدلب بعد صدور فتاوي شرعية من قبل قيادة الجبهة في المدينة، تعبر عن عدم رغبتها في استقبالهم بحال خروجهم وتهديدهم بالقتل في حال انسحابهم، تمثل تحديات صعبة وليست مستحيلة أمام إنجاز هذا الاتفاق.الذي يتطلب نجاحه، توسيع دائرة أطرافه، ووجود راعي يملك موارد القوة والضغط على حلفائه يضمن تنفيذه، لذلك سارع وزير الخارجية الروسي "سيرغي لافروف" للاتصال مع نظيره الأميركي للعب مثل هذا الدور، ليس إنطلاقا" من باب الثقة التي هي معدومة بطبيعة الحال، بل ﻹعطاء الإدارة الأمريكية الفرصة الأخيرة لتلميع صورتها وغسل يداها من رعاية الإرهاب قبل رحيلها، واحتمال عقد اجتماع ثلاثي روسي_ إيراني_تركي نهاية الشهر الحالي، لتهيئة الظروف الموضوعية للعملية السياسية ودفعها بمسار توافقي إقليمي،بعد نصيحة كيري للمعارضة السورية بالتعامل مع الواقعية السياسة بعد تبدل موازين القوى في حلب.
بالمقابل، فإن موقف دمشق باستقلال قرارها ووحدة أراضيها يتعزز، برفضها للاتفاق الأخير الذي توصلت له موسكو مع أنقرة، حيث شكل التصريح الأخير للمصدر العسكري امتعاضها ضمنيا"، عبر من خلاله رفض دمشق القاطع تقديم أي مكاسب سياسية لأنقرة أو لغيرها بعدما عجزت عسكريا" في تنفيذ اجنداتها أو تمنياتها الوهمية، بعد التضحيات الكبيرة التي قدمها الجيش السوري وحلفاء الميدان والمصير، والتي انعكست بموقف فولاذي في الميدان الحلبي، كرس عودة المدينة موحدة ((لاشرقية ولاغربية))، ويوشك بأي لحظة اتخاذ قرار الحسم قبيل نهاية العام، في حال عدم تنفيذ الاتفاق بشروط ومصلحة سورية، لينهي بذلك مسارا" مفصليا" من مسارات المراهنة على الجغرافية السورية في إدارة صراع النفوذ على الساحتين الإقليمية والدولية لمصلحة دمشق وحلفاءها.
محمد نادر العمري
كاتب وباحث سوري في العلاقات الدولية











Discussion about this post