د. حسن أحمد حسن
.jpg)
كثيرة هي التداعيات التي أفرزتها ساحات المواجهة وميادين الاشتباك غير المسبوق على امتداد أكثر من خمس سنوات ونصف من عمر هذه الحرب المفروضة على الدولة السورية والتي كان من المخطط لها أن تجتاح المنطقة برمتها وتطبع القرن الحادي والعشرين بطابع الأحادية القطبية كقدر لا طاقة لقوة في الكون بمواجهته، لكن صمود الدولة السورية أدخل تعديلات جوهرية عنوانها الأبرز انكفاء حدة تلك الأحادية، وتهيئة البيئة الاستراتيجية لنظام دولي جديد لما تتبلور كل معالمه بعد، فالمايسترو الصهيو- أمريكي مصرٌ على الإمساك بجميع الخيوط والإشراف على تحريكها من قبل بقية الأطراف المكلفة بأداء أدوار وظيفية محددة، وإن اتسع هامش المناورة الممنوحة للمنفذين وفق طبيعة وخصوصية كل مرحلة من مراحل هذه الحرب المزمنة والمركبة، وفي ضوء ذلك يمكن فهم ارتفاع حدة أصوات جميع الأطراف، أدوات ومشغلين ومشرفين على التنفيذ، كلما لاحت في الأفق بادرة لإمكانية الحسم الميداني ولاسيما في حلب التي أريد لها أن تكون «عاصمة مأمولة لفرض التفتيت والتشظي الممنهج»، ولا أدل على ذلك من المصطلحات التي حملها معه مبعوث المنظمة الدولية ستيفان دي مستورا والتي قوبلت بما يتناسب وإفهام الجميع أن مبدأ السيادة الوطنية للدولة السورية عنوان رئيس لا يمكن لمن ينشد القضاء على الإرهاب أن «يحذفه أو يهمشه» كما يحلو له، ويعيده إلى الواجهة عندما يرغم للإذعان إلى الواقعيتين الميدانية والسياسية اللتين فرضهما الأداء السوري بمساعدة الحلفاء والأصدقاء الذين أيقنوا أن صمود الدولة السورية منصة يمكن البناء عليها للحيلولة دون فرض شريعة الغاب التي تهدد الجميع دونما استثناء.
بعد التاسع والعشرين من شباط أصبح واضحاً أن واشنطن تسعى للتنصل مما تلتزم به، وأنها حريصة على إطالة أمد الواقع القائم أطول فترة ممكنة مع العمل الحثيث لإعطاء الانتشار الميداني للتنظيمات الإرهابية المسلحة مرتسمات سياسية تتطلب «تقوية الإرهاب والمحاربة به» لا محاربته، وهذا ما دفع سورية والأصدقاء للتعامل بمسؤولية عالية ومهنية استثنائية سحبت البساط من تحت أرجل كل من يسعى للاستثمار في الإرهاب تحت أي ذريعة أو مسمى، فكانت الإنجازات المتنقلة، وفي الوقت نفسه الهدن التي تم الإعلان عنها والالتزام بها أكثر من مرة، وهذا ما ساهم في تظهير الصورة على حقيقتها المغيبة في طيات التضليل الاستراتيجي المعتمد منذ آذار 2011م. وهنا يظهر سر الوتائر العالية التي تميزت بها معركة تطهير الأجزاء الشرقية من حلب، وهذا التقدم النوعي بتسارعات تفوق كل تصور، وما كان لمثل هذه الإنجازات التي تقترب من الإعجازات أن تتحقق إلا بالاستناد إلى جملة من العوامل الذاتية والموضوعية.
العوامل الذاتية
-دقة التخطيط العسكري وشموليته لكل متطلبات المعركة، واحتساب جميع المفاجآت التي قد تظهر، والسيناريوهات المحتملة، والتوضيح التفصيلي لكيفية التعامل مع كل منها في حال حدوثه.
-الكفاءة العالية التي تميز بها أداء الجيش العربي السوري والقوى الرديفة في معركة أعد لها لأن تكون مفصلاً حاسماً في تاريخ الحرب المفروضة على المنطقة عبر البوابة السورية.
– التزامن الدقيق بين النار والحركة على مسرح العمليات، والتكامل المدروس بين التكتيكات الخاصة بالجيش عبر القوة النارية وتنظيم التعاون بين مختلف الصنوف، والهجوم على محاور متعددة تفقد العدو إمكانية تركيز الجهود على اتجاه دون غيره، وبين التكتيكات الخاصة بالمقاومة والقوى الرديفة ذات الكفاءة العالية في الاقتحام وحرب الشوارع والمدن التي تتطلب مهارات عالية أتقنها رجال الجيش والحلفاء عبر سنوات من خوض أعمال قتالية في حرب مركبة وغير مسبوقة في الكثير من جوانبها المتشابكة عسكرياً وسياسياً.
– الروح المعنوية العالية وإرادة القتال المستندة إلى الوفاء لدماء الشهداء وتعويض الفترات المتتالية من أشهر مضت بانتظار التزام واشنطن للوفاء بتعهداتها التي لم تسفر إلا عن استيعاض التنظيمات الإرهابية لخسائرها بالسلاح والمسلحين، فكان الرد الأبلغ عبر الميدان.
العوامل الموضوعية
-افتضاح حقيقة التضليل الاستراتيجي المعتمد من قبل أطراف التآمر والعدوان، وتأكد كل متابع مهتم أن ما تشدقت به واشنطن وحلفاؤها عما سموه «معارضة مسلحة معتدلة» لا وجود له، فـ «جبهة النصرة» بعباءتها الجديدة هي التي تقود الأعمال القتالية في جميع الجبهات.
-سحب كل الذرائع التي تم تسويقها تحت عناوين مختلفة، فحماية المدنيين تعني تمكينهم من الخروج من أماكن الخطر الذي يهدد حيواتهم، ولاسيما أن السلطات الرسمية تعهدت بتأمين أماكن الإقامة وتقديم الطعام والشراب والعلاج مجاناً لكل من يود الخروج، وهذا ما أثبت أن الإرهابيين يتخذون عشرات الآلاف من السكان المدنيين رهائن ودروعاً بشرية، فكل من حاول الخروج من أماكن سيطرة الإرهابيين كان رصاص غدرهم بانتظاره عند المعابر المحددة للخروج.
ـ دبلوماسية الهدن المتعددة والالتزام بها أدت إلى اتساع الشرخ بين التنظيمات الإرهابية المسلحة على اختلاف مسمياتها، وبينها وبين الناس المحاصرين الذي خرجوا في تظاهرات علنية لمنع المسلحين من احتكار المواد الغذائية لمصالح شخصية، ووضع حدٍّ لابتزاز المواطنين بأسعار فلكية للحصول على ما يضمن استمرارية الحياة.
ـ الإخفاق المدوي لما سمي غزوة « أبو عمر سراقب» و«ملحمة حلب الكبرى» وتحولهما إلى مذبحة حقيقية للآلاف التي تم الزج بها وانكسرت موجات هجومها المتكرر من دون تحقيق أي منجز عسكري يمكن البناء عليه، إضافة إلى تآكل «إرادة القتال وانهيار الروح المعنوية» بعد الخسائر الفادحة التي منيت بها التنظيمات الإرهابية المسلحة بمختلف مسمياتها.
ـ التناقض الصارخ بين تصريحات واشنطن وحلفائها وأدواتهما التنفيذية، وما يشهده الواقع السياسي والميداني، وتراجع فاعلية الدور الأمريكي مقابل ازدياد فاعلية الدور الروسي، واتضاح العجز الفعلي عن إمكانية إمداد التنظيمات الإرهابية المنتشرة في الأحياء الشرقية من حلب بما يمكنها من الاستمرار بدورها الوظيفي الإرهابي، وأخذ حلب والحلبيين رهينة لمشروع التفتيت وبسط النفوذ والهيمنة على المنطقة بذريعة «مكافحة الإرهاب».
كل ما تقدم ساهم بشكل أو بآخر في تحقيق إنجاز ميداني تتجاوز دلالاته الجانب العسكري الصرف، فتطهير ستة عشر حياً من الأحياء الشرقية في حلب، وتحرير قرابة تسعين ألف مدني من ربقة الإرهابيين المسلحين، وانتقال الحسم الميداني إلى الجزء الجنوبي بعد أن تم تطهير كامل القسم الشمالي أصاب مشغلي الإرهاب الإقليمين بالصرع لا بالدوار فحسب، وغدا المايسترو الصهيو- أمريكي كحاطب ظلماء يعربد هنا ويوعز لبعض أجرائه للعربدة هناك لكن من دون جدوى، فمدحلة الحسم تتقدم بوتائر غير مسبوقة، وهذا الحسم يتزامن مع إنجاز مصالحات محلية في العديد من بؤر التوتر، التي كان آخرها خروج المسلحين من التل وقبلها من خان الشيح والبلدات المجاورة، وقبلهما من الهامة والمعضمية وداريا والوعر وكثير غير ذلك، وهذا يؤكد حقيقة جوهرية مفادها أن الدولة السورية لا تتعامل بمنطق الانتقام قط، بل بمنطق الأم التي يزعجها أن ترى أحد أبنائها يضل طريقه، لكنها تتمنى عودته إلى جادة الصواب، وتؤمن كل ما يضمن تلك العودة، فمكسبٌ للمواطن وللدولة أن يتم إنزال أي بندقية موجهة إلى صدر الوطن، وكل قطرة دم يتم توفيرها مكسب أيضاً، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالبنية التحية، وقد غدا واضحاً للجميع أنه مع كل تقدم نوعي يحرزه الجيش العربي السوري، تتضاءل معه إمكانية «البناء» على ما قد يقدمه المشغل الخارجي إقليمياً كان أم دولياً، وترتفع إمكانية إنجاز مثل هذه المصالحات المحلية التي لا تقل مردودية عن الانتصارات العسكرية المباشرة، وهنا تظهر أهمية دور النخب الثقافية والمجتمعية وضرورة تضافر جهود الجميع لتجاوز ما تبقى من فصول أقذر حرب عرفتها البشرية، وسيدّون التاريخ في صفحاته أن الدولة السورية استطاعت أن تواجه جيوشاً من الإرهاب المنظم العابر لحدود الدول والقارات، وأن تصمد ست سنوات في مواجهته والقضاء على ما أمكن من أخطاره وشروره نيابة عن العالم أجمع.
تشرين











Discussion about this post