في العام الأخير من الحرب العراقيّة ـ الإيرانيّة، وفي ظل التبدل أو «الانقلاب» الخامس في موازين القوى بين الدولتين المتحاربتين، استشعر العراق بفائض قوة مكّنه من التخطيط لشن حرب عنيفة على القوات الإيرانية لتحرير شبه جزيرة الفاو، وذلك بعد مضي عامين على السيطرة الإيرانية الكاملة على منطقة تعد الحيّز البحري الوحيد للعراق، ومنفذه إلى مياه الخليج. خططت قيادة أركان الحرس الجمهوري في بغداد، بمشاركة فرق حمورابي المدرعة والمدينة المدرعة وبغداد للمشاة، لإرسال حشد قياسي من المدرعات والمدافع في هجوم بدأ في صبيحة 17 نيسان 1988. وانتهى الأمر بتحرير الواجهة البحريّة العراقية وفتح الباب أمام الحلّ «النهائي» للحرب بين الطرفين، بشقّها «الحامي» في الحد الأدنى. لكن العمليّة تلك، وبمعزل عن تسببها بمقتل عشرات آلاف العراقيين والإيرانيين، إلا أنها أظهرت (في سنوات السيطرة الإيرانيّة) «مرونة» هائلة لدى الإيرانيين في عمليّة التمدد داخل الحوض المائي للخليج العربي..jpg)
قبل حرب الفاو، وتحديداً في بدايات الصراع الإيراني ـ العراقي، كان لـ «حرب الناقلات» الدور الأبرز في تظهير مكانة إيران في الميزان الاستراتيجي للخليج. وقد كانت المعركة وقتها عبارة عن استهداف متبادل لناقلات النفط والناقلات البحرية التجارية الإيرانية والعراقيّة، وذلك بهدف قطع الإمدادات الاقتصادية والعسكرية للطرفين. وهو استهداف تطور إلى ضرب الرعاة والداعمين، بدءاً من 13 أيار 1984، مع مهاجمة الإيرانيين سفينة كويتية قرب البحرين، ومن ثم ضرب ناقلة سعودية بعد ثلاثة أيام. وهي حرب أفضت إلى تدمير نحو 550 سفينة وناقلة. لكن العنصر الأبرز كان في استهداف الإيرانيين سفناً كويتيّة وسعودية تحمل العلم الأميركي، برغم تسبب الأمر بمواجهات بحرية بين طهران وواشنطن.
قبل أيام، أعادت إيران تنشيط الذاكرة البحريّة الخليجيّة بتوازناتها الحاليّة، إنما بانفتاح على «توازناتها الكامنة». فقد خرج القائد العام لقوات حرس «الثورة الاسلامية» في إيران اللواء محمد علي جعفري بتصريح «رتيب» وتقليدي في وارد التسويق العسكري، يتناول مجمل «منجزات» القوات البحريّة الإيرانية منذ انتصار الثورة الخمينيّة حتى الآن. لكنه حمل إشارة تُعد أكثر حساسيّة ودلالة عند وضعها في السياق الحقيقي والظاهر لحديث القائد الإيراني، على اعتبار أنها جاءت ضمن تصوير كلامي لطبيعة القدرة التي وصلت إليها القوات البحريّة الإيرانية. فالرجل قال بصراحة إن «الحرس الثوري» أصبح القوة الكبرى في المنطقة والأقدر على «صيانتها»، وذلك في وارد كلامه عن جزئيات تقنيّة تتعلق بالقدرات البحريّة للحرس.
لا شك هنا بأن كلام اللواء جعفري لم يكن مجرد منتج دعائي. فالتسويق بالحد الأدنى جاء في الشق الاستعراضي المتعلق بمسائل التسليح والتدريب. لكن الحديث عن «الصيانة» يعود في الأساس، ونظراً للطبيعة العسكرية للرجل، إلى سلسلة طويلة من البناء الذاتي الذي خضعت له القوات المسلحة الإيرانية طوال فترة ما بعد الحرب العراقيّة، بناء على المنظور الإيراني الخاص للإدارة والحماية داخل الرقعة المائية الوطنيّة، وكذلك بناء على سيناريوهات «حافة الهاوية» بما تحمله دوماً من حاجة لتكثيف العدة والعتاد بما يتلائم مع الاستعدادَين النفسي والعملاني. وقد تطور العامل الأخير في سياق تاريخي طويل ضمن محددات واضحة، تستغل ضيق الرقعة المائية وانعدام إمكانية المناورة فيها، وتقوم على أساس كسر هيبة الأسطول الأميركي في الخليج عبر عمليات إغراق قطع رئيسيّة، اعتماداً على خفة حركة عالية وقوة نيران ضخمة وسرعة مناورة وسهولة إخفاء، إلى جانب الاستخدام الحاشد للغارات البحرية المفاجئة في الأعمال الهجوميّة، ما يمكّن إيران من استغلال قرب اليابسة وامتداد الشاطئ الإيراني الهائل لصناعة كمائن بحرية برمائية.
إيران عملت طوال الفترة الماضيّة على المناورة في ظل العقوبات والتراجع الاقتصادي. فأفضت الأمور في نهاية المطاف إلى صناعة سلاح بحرية كامل إنما غير متكامل، لكنه قادر في ظل الطبيعة الجغرافيّة وطبيعة الخصوم، على إنتاج ضرر هائل ومتراكم ومتواصل، لا يرتكز فقط على أسلوب «الصدمة والرعب»، بل إلى معارك استنزاف بحريّة طويلة الأمد أيضاً. وفي هذا السياق جاءت عمليّة بناء «أسراب بحريّة» من الزوارق الحربية الصغيرة والحديثة، والمرتكزة على الزورق الصيني سي ـ 14 وبتصنيع محليّ ضمن اتفاق صيني ـ إيراني رسمي، سمح لطهران بصناعة مئات من هذه الزوارق وتجهيزها بصواريخ بحر ـ بحر وقواذف صواريخ عديمة الارتداد ورشاشات متوسطة، بالإضافة إلى زوارق «موجّهة عن بعد» ومحملة بشحنات متفجرة، وأخرى مجهزة بصواريخ ساحلية صينية الصنع من طراز سي ـ 802 وما يماثلها من المنتجات المحليّة، على أن تنشر في القواعد الإيرانية المطلة على الخليج العربي.
بمعزل عن التفاصيل العسكرية والتقنيّة وتعداد مسمياتها، إلا أن طبيعة التصريحات الإيرانية المتكررة مقرونة بطبيعة أخرى تتعلق بوجهة العضلة العسكرية الإيرانية، والكيف والكم اللذين خضعت لهما طوال مرحلة البناء والتطوير، تُظهر مجتمعة أن الجمهوريّة الإسلاميّة تدرك تماماً مدى أهميّة القدرة العسكرية في الخليج، ومدى تأثير ذلك في إنتاج مجهود سياسي متلائم مع القدرة العسكرية. ومن شأن هذا المجهود أن يفضي إلى «تمدد» يقوم على اعتبارات عديدة، منها التقلص التدريجي لعديد القطع البحرية الغربية في الخليج، وكذلك عجز الدول العربية الخليجية عن بناء قدرات بحريّة تضمن لها تفوقاً سيكون مفقوداً، إذا ما غاب الأسطول الأميركي الخامس عن المنطقة. ما يعني أن فراغاً كبيراً بدأ بالتشكل، يدرك الإيراني تحديداً مدى خطورته على أمن طهران، نظراً لفتحه الباب أمام مرشحين خارجيين للدخول إلى المياه الإشكاليّة تلك، اعتماداً على سلة التحالفات الجديدة المتوقعة مع دول «مجلس التعاون»، التي تسعى إليها جهات كإسرائيل وتركيا.










Discussion about this post