عقب إيقاف واشنطن "تفاهمات جنيف" حول سورية وتعليق موسكو اتفاقية معالجة البلوتونيوم مع الأولى، نشأت حالة من السخونة غير محمودة العواقب.
فقد تبادل الطرفان الروسي والأمريكي الاتهامات حتى قبل انهيار "الهدنة الهشة"، مع العلم بأن موسكو وواشنطن كانتا تعلمان جيدا أن الكثير من الأطراف الإقليمية، وأطراف الصراع في الداخل السوري، لا يحبذ تلك "التفاهمات
الرد الروسي لم يأت من فراغ، لأنه استبق إعلان واشنطن تعليقها التفاهمات الروسية – الأمريكية، وربما يكون قد تزامن مع كل المؤشرات التي أكدت أن واشنطن قررت تعليق العمل بما اتفقت عليه مع موسكو.
هناك تساؤلات تتردد بطرق مختلفة على ألسنة معارضين وموالين ومراقبين وخبراء، وعلى ألسنة ملايين السوريين الذين تم تهجيرهم أو إجبارهم على النزوح واللجوء: "متى تنتهي الحرب وتبدأ مفاوضات السلام أو المفاوضات السياسية؟ وكم سوري يجب أن يموت ويتشرد لكي يتم التوصل إلى هذه الخطوة؟ وما هو مصير "الأسد"، ومصير التنظيمات الدينية والجماعات الإرهابية، حيث أن كل هذه الأطراف مجتمعة تحارب بعضهما البعض نيابة عن قوى إقليمية، وبالوكالة عن قوى كبرى؟"
الجانبان الروسي والأمريكي أعربا عن "خيبة" أملهما، كل حسب ما يراه، وحسب سيناريوهاته وخططه، وبدأت وسائل الإعلام الأمريكية تتحدث عن تسريبات بأن روسيا قامت بنشر أحدث منظوماتها من صواريخ الدفاع الجوي "إس-300 في.إم " (إس.أي – 23 "غلادياتور"، وفقا لتصنيف الناتو) في سوريا.
بينما تتحدث وسائل الإعلام الروسية عن خدع ومؤامرات أمريكية ودعم للإرهاب والجماعات المتطرفة، وتوقعات بتدخل عسكري أمريكي مباشر في سورية، في حين أعرب رئيس أكاديمية القضايا الجيوسياسية كونستانتين سيفكوف عن اعتقاده بأن التحالف بقيادة واشنطن سيبدأ بقصف القوات السورية، وتزويد المعارضة بأسلحة وذخائر، بعد إعلان واشنطن تعليق التعاون مع موسكو بشأن سورية.
كل ذلك، وهناك أصلا تدخل عسكري مباشر في سورية من جانب تركيا التي ترفع كل يوم من سقف عملياتها ووجود قواتها وأفاق أحلامها وطموحاتها، ولكن كل ذلك لا يلقى إلا تجاهلا غريبا ومثيرا للتساؤلات.
في الحقيقة، كانت الأمور واضحة منذ أن بدأت مباحثات وزيري خارجية روسيا سيرغي لافروف والولايات المتحدة جون كيري في جنيف حول سورية، وأسفرت في ما أسفرت عن "التفاهمات" التي لم يقدر لها أن تصمد، كانت الأمور واضحة لدرجة أجبرت المراقبين على الحديث عن "حوار الطرشان"، فالولايات المتحدة التي أبدت اهتماما بما تطرحه روسيا، وأشعلت وسائل الإعلام بنواياها الطيبة حول التسوية في سورية، قامت بتمديد العقوبات ضد روسيا، وتوسيع بعضها، وقام الاتحاد الأوروبي، الذي تشكل غالبية أعضائه قوام حلف الناتو الذي تقوده واشنطن، بالسير وراء الولايات المتحدة، وهو ما حدا بوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف للقول بأن "الولايات المتحدة تتحدث عن التسوية السياسية من جهة، وتفرض عقوبات على روسيا من جهة أخرى"، وهي عبارة تعكس واقع الحال في نهج السياسة الأمريكية المتعالية والتي لا ترى إلا مصالحها فقط، دون أي اعتبار لمصالح الآخرين.
هكذا قررت موسكو أن تضع اللوحة كلها أمام "الشريك" الأمريكي لكي تتوقف "آلهة الحرب" قليلا، وتمعن النظر في المشهد الضبابي ومخاطره، وتنظر بعقلانية إلى الأزمة من جميع زواياها، وبالذات فيما يتعلق بإعادة هندسة المنطقة طائفيا وعرقيا، وسيطرة القوى الدينية اليمينية المتطرفة.
وفي الوقت نفسه ترك المجال مفتوحا أمام واشنطن للعودة عن قرارها بإشارته لوجود فرصة لوقف الأعمال العدائية بعد إعادة التفاهم بين موسكو وواشنطن، أي أنه رغم المشهد الضبابي، فهناك تفكير سليم ورؤية شاملة ومسؤولة يتحدثان حول إمكانية بحث تهدئة ما، وربما طرح أفكار جديدة إضافية، لأن لا موسكو أغلقت الباب تماما، ولا واشنطن قررت التدخل العسكري المباشر في سورية.
سنمار الإخباري _RT











Discussion about this post