صبحي غندور
هناك فعلاً صراع محاور إقليمية ودولية على سورية وفي المنطقة العربية، لكنْ للأسف، فإنّ الرافضين لهذا الصراع من السوريين والعرب لم ينجحوا في صنع البديل الوطني الصالح، والبديل العربي الأفضل، بل نجد هيمنةً أجنبية على تداعيات كلّ الحروب الدائرة في أكثر من بلد عربي، كما يستفيد المشروع الإسرائيلي من هذه الأزمات العربية ويعمل على تفتيت المنطقة إلى دويلاتٍ متصارعة..jpg)
ثمّ هل يمكن تجاهل حقيقة أنّ درجة العنف في الأوضاع السورية هي انعكاسٌ لحدّة أزمات أخرى، مترابطة كلّها بعناصرها وبنتائجها وبالقوى الفاعلة فيها؟! وهل يمكن فصل الأزمة السورية عمّا حدث في العقد الماضي من أوّل احتلال أميركي لبلد عربي العراق ، حيث كانت سورية معنيّة بأشكال مختلفة بتداعيات هذا الاحتلال ثمّ بدعم مواجهته؟ وهل يمكن نسيان أنّ «القاعدة»، وهي الأم التي وُلدت من رحمها «داعش» و«النصرة»، قد ظهرت في العراق ثمّ في سورية كمحصّلة لنتائج الإحتلال الأميركي لبغداد؟ وهل يمكن فصل الأزمة السورية الحالية عن حرب عام 2006 في لبنان وعن الصراع العربي/ الإسرائيلي وعن مأزق التسوية على المسار الفلسطيني، وهل يمكن نسيان أنّ مئات الألوف من اللاجئين الفلسطينيين يقيمون في لبنان وسورية والعراق، وبأنّ ما حدث، وما يحدث في هذه البلدان سيؤثّر كثيراً على مصير ملفّ اللاجئين الفلسطينيين؟! ثمّ هل من الممكن أن تغفر «إسرائيل» لمن اضّطرها للانسحاب العسكري المذلّ عام 2000 من لبنان، ولمن أفشل مغامرتها العسكرية وحربها المدمّرة عام 2006؟! أليس حتمياً حدوث انعكاساتٍ خطيرة على كلّ المقاومين للإحتلال الإسرائيلي من جرّاء تداعيات الأزمة السورية ونتائجها السياسية والأمنية؟! ثمّ هل حقّاً أنّ التغيير المنشود في سورية هو في نظامها السياسي الداخلي فقط، أم كان الهدف الكبير الهامّ هو فصم العلاقة بين سورية وإيران من جهة، وبين دمشق وموسكو من جهةٍ أخرى؟!
واشنطن استفادت كثيراً من تداعيات الأزمة السورية، في بداية سنواتها الأولى، لجهة إضعاف دولةٍ كانت ولا تزال – تُشكّل ثقلاً مهمّاً لروسيا وإيران في المشرق العربي والبحر المتوسط، وتدعم قوًى لبنانية وفلسطينية قاومت الإحتلال الإسرائيلي في حروب مختلفة على جبهتيْ لبنان وغزّة.
واشنطن لم تكن في السابق مستعجلةً جداً على فرض تسوية سياسية للأحداث الدامية في سورية، لكنّها حرصت على ضبط الصراع وعلى عدم انتشاره إقليمياً أو دولياً، فكانت الإدارة الأميركية تُشجّع الآخرين على تسليح بعض قوى المعارضة، دون تورّط عسكريّ أميركيّ مباشر على الأرض، ولا تُشجّع في الوقت ذاته على حلول سياسية وأمنية لم يحن أوانها بعدُ أميركياً، كالذي حصل مع المبادرة العربية في خريف العام 2011، حينما دعت علناً وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون أطراف المعارضة السورية المسلّحة إلى عدم ترك السلاح أو تسليمه، كما تضمّنت المبادرة العربية.
الآن تغيّرت الظروف، كذلك هو واقع القوى العسكرية على الأرض ومواقف الحلفاء الإقليميين، لذلك، فإنّ معالجة الأزمة السورية أصبحت أولويّةً لدى إدارة أوباما، خاصّةً بعد ظهور «داعش» وسيطرتها على مساحات واسعة من سورية والعراق وصولاً إلى ليبيا وأفريقيا، وبعد حدوث الاتفاق الدولي مع إيران، التي هي أيضاً دولة معنيّة بما تخطّط له واشنطن لمستقبل أفغانستان والعراق وسورية ولبنان واليمن وملفّ فلسطين والصراع العربي/ الإسرائيلي. لذلك نجد الآن هذا التفاهم والتوافق الروسي/ الأميركي على ضرورة تحقيق تسوية سياسية للأزمة السورية خلال وقتٍ قريب، رغم استمرار الاختلاف بين القطبين الدوليين حول تفاصيل التسوية المرتقبة. فأميركا تحتاج إلى دعم موسكو في الملف السوري كما احتاجته في الملفّ النووي الإيراني، رغم الخلاف الكبير بين الغرب وروسيا حول المسألة الأوكرانية.
فليس أمام واشنطن الآن بدائل مفيدة للمصالح الأميركية في حال فشل مشروع التسوية السياسية للأزمة السورية. أيّ هل سيكون الخيار البديل هو مزيدٌ من التصعيد العسكري في سورية، تحصد نتائجه روسيا أو قوى التطرّف الأكثر فعالية وسط المعارضة السورية، والتي تسعى للتمدّد إلى دولٍ أخرى كلبنان والأردن وباقي دول المنطقة؟ وهل لواشنطن وموسكو والقوى الإقليمية الكبرى مصلحة في تعاظم خطر الإرهاب «الداعشي» على العالم كلّه؟ أم سيكون الاحتمال، في حال الفشل بتحقيق تسوية سياسية للأزمة السورية، هو استمرارها وأزمات المنطقة على ما هي عليه؟ لكن من يقدر الآن على ضبط إيقاعاتها المحلية ومنع توسيع رقعتها الجغرافية؟ وهل هناك إمكانية لفعل ذلك؟! لا أعتقد أنّ هذا ممكناً، ولا أرى أنّ هناك مصلحة أميركية وروسية وإيرانية وتركية وعربية في استمرار التأزّم الأمني والسياسي الحاصل. «إسرائيل» وحدها مستفيدة الآن من الحروب الداخلية العربية، ومن التجاهل الدولي والعربي الجاري الآن للقضية الفلسطينية. و«إسرائيل» فقط، ومن معها في الأوساط السياسية الأميركية، هي التي ترغب بتغيير خرائط المنطقة وتفتيت كياناتها الراهنة.
لذلك كلّه، تتأكّد الحاجة الآن لتسوية سياسية للحرب الدموية في سورية رغم تباين مصالح الأطراف الإقليمية والدولية المتورّطة فيها، وهو ما جعل موسكو وواشنطن تتحدّثان معاً عن ضرورة التوصّل إلى حلّ سياسي للأزمة السورية، وعن سعيهما معاً إلى إقامة تفاهم دولي/ إيراني/ تركي/ عربي حول أسس هذا الحلّ السياسي، وإلى ضرورة وضع المواجهة مع «داعش» و«النصرة» والإرهاب في مقدّمة الأهداف خلال هذه المرحلة.
فبعد أكثر من خمسة أعوام على المراهنات العسكرية في الأزمة السورية، وصلت هذه المراهنات إلى طريقٍ مسدود، إذ لم تنجح الحكومة السورية في إنهاء الأزمة من خلال حلّها الأمني، كما لم تنجح بعض قوى المعارضة التي اختارت العسكرة بتشجيع خارجي من إسقاط النظام، بل إنّ خيارها هذا أدّى إلى تصعيد العنف والدمار من كلّ الأطراف، وإلى فتح أبواب سورية أمام قوى إرهابية مسلّحة متطرّفة أعلنت جهاراً ارتباطها بجماعات «القاعدة» و«داعش».
لقد أصبح مزيج الأمر الواقع على أرض سورية هو صراعات محلية وإقليمية ودولية، وحالات من الحرب الأهلية والعنف السياسي والطائفي والإثني، إضافةً إلى وجود قوى تُمارس الإرهاب الدموي وتهدّد وحدة الشعب السوري، وأصبحت كلّ سورية معرّضة للتشقّق وتفكيك الكيان والدولة والمجتمع. ولعلّ هذا المزيج السيّئ من واقع الصراعات واحتمالات نتائجها هو ما جعل نيران الحرب السورية مصدر خطرٍ كبيرٍ أيضاً على الدول العربية المجاورة لسورية، بل على كلّ دول المنطقة والعالم.
إنّ الأزمة السورية هي قضيّةٌ حاضرةٌ الآن في كلّ المحافل الدولية، وسيكون مصير الحرب المشتعلة فيها، أو التسوية المنشودة لها، هو الذي سيحدّد مصير الأزمات الأخرى. كذلك، فإنّ استمرار الحرب يعني استمرار التأزّم الأميركي والغربي مع إيران وموسكو، ويعني مخاطر حرب إقليمية، إضافة إلى محاذير التورّط التركي الكبير الحاصل الآن في الأزمة السورية، وانعكاسه على «الناتو»، وعلى العلاقة الخاصة بين واشنطن والجماعات الكردية المقاتلة في شمال سورية، وهو أمر لا ترغب واشنطن أن تجد نفسها مخيّرةً فيه بين حليفٍ تركي قديم وحليفٍ كردي جديد!
المراهنات على الحلول العسكرية في سورية، عند كلّ طرف، وصلت الآن إلى طريقٍ مسدود. وستكون العقبة الكبرى أمام أيّ صيغة تسوية سياسية جادّة للأزمة السورية هي في جماعات التطرّف المسلّحة على المستوى الداخلي، وبـ»إسرائيل» ومن لديها من عملاء أو حلفاء على المستويين الإقليمي والدولي. فلا مصلحة لهذين الطرفين في إنهاء الصراع الدموي في سورية أو في التفاهمات الدولية وما قد تفرزه من نتائج سلبية على كلّ منهما.
مدير مركز الحوار العربي











Discussion about this post