هي معركة إرادات قبل أن تكون معركة عسكرية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، فالحرب تستهدف هوية المنطقة وإحكام السيطرة عليها لمئات السنين القادمة من خلال بعثرة الجغرافيا وتعميم الفوضى الشاملة عبر عملية متكاملة في الميدان والإعلام والحرب النفسية، وما يُصرف على هذه الحرب فاق كل التصورات، خصوصًا اذا ما علمنا أنّ كلفة الحرب الإعلامية في السنة الواحدة يتجاوز المليار دولار من خلال تأمين التغطية المالية لترسانة من الفضائيات وآلاف المواقع الإلكترونية، مع الإشارة الى أنّ كلمة ترسانة لم ترد سهوًا أو خطأ، وإنما للدلالة على أهمية سلاح الفضائيات في هذه الحرب المفتوحة والشاملة..jpg)
هذا في الإعلام الذي يشكل السلاح الأكثر فتكًا في الحرب لجهة التأثير في مسارها، أما في المعركة الميدانية فنحن أمام مشهد غير مسبوق لجهة زج مئات آلاف الإرهابيين في معركة تفتيت وتقسيم المنطقة، والتي شكلّت سوريا وتشكّل العائق الأكبر أمام مخطط التقسيم. بحسب المخطط، فإنّ سوريا كان يجب أن تكون قد قُسّمت في منتصف العام 2012، إلّا أنّ رياح المقاومة غيّرت المسار بغير ما يرغب المخططون. ولأنّ الحدث الأكبر هذه الأيام هو حلب وما يدور على أرضها من معارك، فلا يمكن تخطي تفاصيل الحدث وشرح معطياته ووقائعه التي لم تحصل فجأة، وإنما هي نتاج معارك مستمرة منذ اربع سنوات لما لحلب من اهمية سبق وأن أشرنا إليها في مقالات سابقة، وهي في كل الأحوال ليست خافية على احد.
ففي السنة التي كان مقررًا لسوريا أن تتفكك وتتقسم خلالها، أي العام 2012، استولت الجماعات المسلحة على الأحياء الشرقية للمدينة وعلى غالبية اريافها الشمالية والغربية والجنوبية، ووضعت الأحياء الغربية التي ظل الجيش السوري يسيطر عليها داخل الطوق الى ان تم فتح ممر طويل من حماه الى اثرية فخناصر وصولًا الى حلب، وهو الممر الذي أعاد للمعركة زخمها واستطاع من خلاله الجيش السوري أن يحدث متغيرات كبيرة في خرائط السيطرة، وصولًا الى وضع الأحياء الشرقية داخل الطوق بعد السيطرة على طريق الكاستيلو وحي بني زيد والسكن الشبابي شمال شرق المدينة.
معركة حلب برأيي هي معركة اردوغان الأخيرة التي وضع فيها كل ثقله وبشكل غير مسبوق، لتكون عند زيارته الى موسكو ورقة المفاوضات الأساسية مع الرئيس بوتين لتحديد موقعه في التسوية، وهو الأمر الذي يدعو الى الكثير من القلق والحذر انطلاقًا من سير العمليات في حلب التي تتسارع بشكل غير مطمئن لا اعرف إن كان بإمكان المعنيين ضبط ايقاعها والحفاظ على الإنجازات التي تحققت والتي لا يمكن التضحية بها، وهذا ما يستدعي قرارًا حازمًا وحاسمًا في التعاطي بشكل لا نمطي مع المستجدات.
لم يكن مفاجئًا أن تقوم الجماعات الإرهابية بعمليات مضادة لكسر الطوق، وكانت مثل هذه العمليات متوقعة وتم التمهيد لها بالإيحاء أنّ عملية كسر الطوق ستتم من داخل الأحياء الشرقية، وهو ما حصل من خلال العديد من التفجيرات التي استهدفت مواقع وخطوط دفاعية للجيش السوري بهدف جذب قوات الجيش الى خطوط التماس بين الأحياء في الوقت الذي لم تنقطع فيه محاولات كسر الطوق في مزارع الملاح وطريق الكاستيلو لتأتي العمليات الكبرى من الجهة الغربية، وهي كانت لناحية العديد البشري من اكبر الهجمات التي حصلت في حلب منذ ثلاث سنوات وبدأت بـ9000 ارهابي ووصل عددها قبل كتابة هذا المقال الى 15 الف ارهابي يهاجمون على جبهة لا يتجاوز عرضها الـ20 كلم، وتمت عبر استخدام نمط الموجات المتتالية والتي كانت كل موجة منها تتكون من عربات مفخخة يليها الإنغماسيون. فقوات الإقتحام التي بدا واضحًا من خلال بث الجماعات الإرهابية لصور من الجو انها كانت متابعة بشكل حثيث لتأمين اعلى مستوى من القيادة والتوجيه والسيطرة، وقد كان لافتًا العدد الكبير من صواريخ حمم التي انطلقت قبل الموجات بدقائق، وهي ذات رؤوس متفجرة تصل الى 500 كلغ، وتم اطلاقها من مقذوفات وضعت في مساحات ضيقة ومتقاربة بهدف التأثير في الأهداف من خلال إحداث التأثير الناري الكبير والصدمة المتتابعة، اي التدمير عبر الصواريخ يليها المفخخات فالإنغماسيون فمجموعات الإقتحام.
الملفت للنظر أيضًا التنسيق الكبير بين المدرعات وقوات الإقتحام وانماط الإقتراب من مواقع الجيش السوري، ما يدلّ على أنّ الجماعات التي نفذت الهجوم تمتلك خبرات عالية جدًا لا يمكن القفز فوقها ومن الضروري الإشارة لها لمعرفة حقيقة ما حصل، بالإضافة طبعًا الى عامل اساسي وهو الإمكانيات التقنية الموضوعة بتصرف هذه الجماعات عبر غرفة عمليات تدير الهجمات وتنسق فيما بين القوات المهاجمة.
لهذه الأسباب استطاعت الجماعات الإرهابية أن تحدث الخرق الأول في مدرسة الحكمة وأجزاء من المشروع 1070 وتل مؤتة وتل احد، وقرية المشرفة التي شكلت فيما بعد نقاط الإرتكاز التي انطلقت منها في هجماتها بإتجاه منطقة الكليات، مع الإشارة الى أنّ تدبير إعادة التموضع التي نفذها الجيش السوري عبر الإنسحاب من مواقعه الأولى التي تمثل نقاط مراقبة ورصد واشتباك مؤقت ساهمت في امتصاص الصدمة ووسعت بقعة الروع الضرورية لعمل المدفعية والطيران، خصوصًا أنّ الموجات الكبيرة للمهاجمين دخلت في الإلتحام مع المواقع الأولى للجيش السوري بهدف إعاقة رمايات المدفعية والطيران، وهو ما تم تقديره بسرعة من قبل القيادات الميدانية وأدّى الى اتخاذ قرار الإنسحاب الى خطوط العمق الدفاعية في منطقة الكليات مع معرفة الجيش انها ستكون الهدف التالي.
فجر اليوم، وبعد منع الجيش للجماعات الإرهابية من اختراق أسوار الكليات بساعات نفّذت مجموعات اقتحام احتياطية هجومًا مباغتًا واستطاعت فتح ثغرات في اسوار كلية التسليح في الجنوب الغربي، ووصلت بعض المجموعات الى منطقة الملاعب والمرآب في مدرسة المدفعية وهي القسم الجنوبي من المدرسة، واستمرت المعارك حتى ما قبل ساعات من كتابة هذا المقال في الجزء الجنوبي الغربي من الكليات التي تبعد نقاط الإشتباك فيها عن دوار الراموسة حوالي الـ2 كلم بموازاة الكلية الفنية الجوية التي بقيت بعيدة تمامًا عن الإشتباكات. أما عن السيطرة على دوار الراموسة، فإن تمت فستتم عبر اتجاهات مغايرة تمامًا لاتجاه الهجوم الحالي، ولا يستبعد أن يكون من خلال ربط الشيخ سعيد شرقًا وتل المحروقات غربًا.
ورغم انسحاب الجماعات الإرهابية من حرم الكليات، إلّا أنّ العمليات لن تتوقف وستستمر بنفس الزخم ومن أكثر من اتجاه، وهو ما يجب التنبه له حيث يمكن لهذه الجماعات أن تفتح المعركة على كل المحاور لتثبيت قوة الجيش ومنعه من المناورة، وهو ما يقتضي الزج بقوات إضافية الى محاور الإشتباك. فما تهدف اليه هذه الجماعات هو الخرق عبر ممرات ولو صغيرة لإحداث عمليات عزل بين خطوط دفاع الجيش السوري وحلفائه، والإبقاء على مسافات فاصلة في بقع الإشتباك لتأمين الصد بالمدفعية والطيران، مع ضرورة التشبث بمنطقة الكليات وتنظيم خطوطها الدفاعية كونها المنطقة الأكثر ارتفاعًا والتي تشكل منطقة الربط الأساسية لكامل خط الدفاع في الجهة الغربية لحلب.
عمر معربوني











Discussion about this post