غزاة حلب الأتراك والسلفيون في قبضة الجيش السوري والمقاومة، الحرب من أجل حصار الخندق الشمالي للبر السوري، واختراق جداره الأول، فشلت، ومن حاول حصار حلب، سيكون محاصراً فيها خلال ساعات.
ساعات أو أيام قليلة ربما كي تذهب المعركة السورية الكبرى، نحو منعطف «تاريخي» لم تشهد مثيلاً له منذ الغزوة التركية الإخوانية والسلفية لحلب في ١٩ تموز العام 2012، وسيكون لكل خطوة من خطوات جنود وضباط الجيش السوري من قوات النمر سهيل الحسن نحو الكاستيلو معانٍ سياسية واستراتيجية، ستقلب المشهد السوري، أولها تعرض امتناع الانتصار او الحسم العسكري، الذي رافق الحرب السورية في كل منعطفاتها،إلى الاهتزاز، خصوصاً أن العملية أصابت بالشلل أميركيين وأتراكا وسعوديين.
وعندما تبدأ قوات النمر سهيل الحسن بقطع الـ٢٥٠ مترا الأخيرة التي كانت لا تزال تفصل ليلاً وحدات الاقتحام عن الكاستيلو، خلال الساعات المقبلة، سيكون الشمال السوري على موعد مع هزيمة مشروع محاصرة الاتراك والاميركيين والسعوديين لحلب، وسقوط ارتهان العاصمة الاقتصادية السورية، التي نهبها الاتراك، للخطوط الحمراء الاقليمية، التي يمكن القول، انها تسقط، مع وصول جنود النمر الى الضفة الجنوبية، للكاستيلو.
معركة حصار حلب بدأت، المعركة تستهدف ابعد من السيطرة بالنار، الى الامساك بالارض. السيطرة بالنار، لا يمكن مقايضتها سياسيا في اي مفاوضات، والهدنات، والضغوط السياسية المنتظرة، تفقد ورقة الحصار «بالنار» ميزتها والفائدة منها، الا خلال المعارك. وفي كل حالات الحصار بالنار، كانت الهدنة تتكفل بعودة المجموعات المسلحة الى تذخير قواتها، وفتح طرق الامداد سياسيا، اميركيا بشكل خاص او امميا. الاصرار على الحصار على الارض، واغلاق ابواب الكاستيلو، بريا، سيكون له مغزى استراتيجي حقيقي، وخلال الساعات المقبلة، تبدأ قوات سورية – لبنانية، هجوماً من ثلاثة محاور، لحماية ظهير الوحدات التي ستمسك بالكاستيلو: من الملاح الجنوبية نحو ضهرة عبد ربه المشرفة على الكاستيلو، فيما تنطلق قوات من جمعية الزهراء جنوب غرب المزارع باتجاه معامل الليرمون، لمنع من فيها من قنص الوحدات الراجلة في طريق الكاستيلو، كما تنطلق مجموعات اخرى، الارجح ان تكون من «حزب الله»، من قلب المدينة في الغرب، نحو حي بني زيد، بمنع من فيه من مؤزارة مجموعات الليرمون.
عناصر عدة ساهمت في صنع الانتصار الحلبي، في توليفة من التكتيكات العسكرية، ووضوح القرار السياسي الروسي والعسكري وسقوط اوهام الهدنة واتضاح لا واقعية المطالبة بفصل «جبهة النصرة»، والتوقيت الذي تزامن مع التقارب التركي الروسي، وعودة التنسيق بين الحلفاء الى المستوى المناسب، ووصول الرهان على تسوية سياسية مع الولايات المتحدة الى نهاية المطاف، ودخول الادارة الاميركية في خدر دبلوماسي مع اقتراب الانتخابات في تشرين الثاني المقبل، وفشل تجربة الهدنة – الخديعة التي انتهزتها المجموعات المسلحة من اجل توجيه ضربات للمقاومة والايرانيين والجيش السوري في ارياف حلب، والذهاب الى حد التفكير بفرض حصار على الجيش السوري والمقاومة في حلب.
ويعود الفضل في انتصار حلب الى جنود وضباط سهيل الحسن، الضابط القادم من وحدات المشاة عندما فرض تكتيكاته التي نجحت في الخريف، باختراق حصار كويرس، بسهم طولي في قلب منطقة تحاصرها على الميمنة والميسرة قوات «داعش»، للوصول الى المطار وتحرير ١٢٠٠ من القوات التي صمدت ما يقارب الاعوام الثلاثة، وهي حرب رجحت كفتها للجيش، بفضل خبرة الحسن، والاعتماد بشكل واسع على قوات الاقتحام الراجلة، والالتحام في معارك مباشرة، رجلا في مواجهة رجل في مواقع كثيرة. التكتيك ساهم بتحييد وتقييد صواريخ التاو، التي كانت تعطل هجمات المدرعات في المعارك الاخرى. اجبرت موجات الراجمات «يو ار ٨٣» الروسية، مقاتلي «الجبهة الشامية» و«النصرة» و «الزنكي» و «استقم كما امرت»، على الخروج من تحصيناتهم وخنادقهم. فقد اطلقت الراجمات الاف الخراطيم والكابلات المحشوة بالمتفجرات في مدى الـ٣٠٠ الى ٥٠٠ متر التي تتيحها لتدمير خطوط التحصين والانفاق والخنادق التي امضوا الاعوام الماضية في اعدادها وتجهيزها، وسقطت بسرعة نسبيا في موجات هجوم المشاة، حيث اجبروا المتحصنين بها على الخروج للقتال وجها لوجه مع المهاجمين.
«عاصفة السوخوي» السياسية والعسكرية العائدة فعلا، لعبت دورها أيضاً، عسكرياً لم تتوقف «السوخوي» الروسية عن إحراق الأرض والسماء تحت وفوق المقاتلين، الحرب المتصلة وتكتيكاتها، والهجوم الذي لا ينقطع لإنهاك الخصم، أدى الى خلخلة خطوط الدفاع في مزارع الملاح الشمالية والجنوبية.
الهجوم بدأ بعمليات قصف جوي لم تنقطع منذ مطلع حزيران، شبيهة بـ «عاصفة السوخوي» في الخريف الماضي، حرمان الخصم من لأي استراحة، تسمح له باستقدام تعزيرات أو إعادة بناء قوته، أو معداته، بمواصلة الضربات من دون توقف، أدت إلى انهيار خطوط دفاع المقاتلين، الروس لجأوا إلى غرفة عمليات في حلب، على أرض المعركة، القصف قادته بشكل مباشر طائرات الاستطلاع التي لاحقت المسلحين في تحركاتهم، لم تترك فاصلاً زمنياً لتجمعاتهم لتغيير مواقعها، «السوخوي» شنت في الأسبوع الأخير أكثر من الفي غارة على خطوط الملاح الجنوبية، وحدها.
التوقيت والتزامن مع التقارب التركي – الروسي لعبا دورا نسبيا. ليس عادلا، والأهم أنه ليس صحيحا قبول تفسير الانتصار «بغض نظر تركي» عن تقدم القوات السورية في المنطقة، أولا لأن الأتراك لم يمتنعوا رغم التقارب والاعتذار من الروس، من إرسال مجموعات تتبع مباشرة لمخابراتهم، لمهاجمة المنطقة الأكثر حساسية وتحدياً للروس في جبهات ريف اللاذقية، لا سيما كنسبا التي تعد خط الدفاع عن قاعدة حميميم.
الأرجح أن التوقيت يوافق تراجعاً تركياً سياسياً ،أن لجوء الأتراك، بعد عملية اللاذقية، إلى تصعيد آخر في جبهة حلب، وإمداد المعارضة بمجموعات جديدة، قد يعد استفزازا للروس، يتناقض مع سياسة التقارب، لكن لا كثافة الغارات، ولا فتح جبهات في أكثر من منطقة، ولا قطع خطوط الإمداد، والحرب المتصلة التي لم تتوقف غاراتها، كانت ستسمح للأتراك بأي عملية إمداد، فضلاً عن خطر الاصطدام مجدداً بالروس، كما أن المجموعات المسلحة كانت قد حصلت منذ آذار في هذه المنطقة على الفي طن من المساعدات الاميركية السعودية، تساعدها على خوض أطول المعارك، لذا لا فضل تركيا في الانتصار.
ويتزامن ذلك ايضا، مع ضيق هامش الإدارة الاميركية للتدخل في الشمال السوري، بعد انخراطها في معركة كردية – داعشية حول منبج، وإضافة جبهات أخرى إلى هذه الجبهة التي تنزلق نحو استنزاف مفتوح، خصوصا أن الرئيس باراك اوباما غير راغب بالتورط في حرب في نهاية عهده. وفي هذا الاطار، لم تستطع محادثة بوتين – اوباما الهاتفية الاربعاء الماضي، ان تفرض اي هدنة لتعطيل الهجوم. ولكن المآل الاخير ان اي تفاهم لم يقع، واكتفى الطرفان بالحد الادنى من اعلان الاتفاق على عمليات مشتركة، لن ترى النور. اذ من المعروف ان وزير الدفاع اشتون كارتر، وقائد اركان الجيوش الاميركية الجنرال جوزف دانفورد، يعارضان اي تنسيق عسكري او تبادل معلومات مع الروس، وهو خط تم تعزيزه منذ بداية الازمة، والانخراط الروسي في سوريا.
وقتل ما لا يقل عن 25 شخصاً في قصف الجماعات المسلّحة لمناطق خاضعة لسيطرة الحكومة في مدينة حلب أمس، في اليوم الأخير من تهدئة أعلنها الجيش السوري لمدة ثلاثة أيام، بحسب ما أعلن «المرصد السوري».
ووفقاً لـ«المرصد»، قتل 23 شخصاً بغارات جوية على ضفة نهر في بلدة دركوش غرب إدلب قرب الحدود التركية.
سنمار الإخباري _ السفير











Discussion about this post