بقلم : د. خلود خير بك
الاحتلال الناعم « السادس عشر »
قبل ان أبدأ حديثي سأشرح معنى كلمة فدرلة
الاتحادية أو الفدرالية (أو الفيدرالية) شكل من أشكال الحكم تكون السلطات فيه مقسمة دستوريا بين حكومة مركزية (أو حكومة فيدرالية او اتحادية) ووحدات حكومية أصغر (الأقاليم، الولايات)، ويكون كلا المستويين المذكورين من الحكومة معتمد أحدهما على الآخر وتتقاسمان السيادة في الدولة. أما ما يخص الأقاليم والولايات فهي تعتبر وحدات دستورية لكل منها نظامها الأساسي الذي يحدد سلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية ويكون وضع الحكم الذاتي للأقاليم، أو الجهات أو الولايات منصوصا عليه في دستور الدولة بحيث لا يمكن تغييره بقرار أحادي من الحكومة المركزية. وكمثال الامارات العربية المتحدة ويمكن النظر إلى الفدرالية باعتباره نقيضا لنظام آخر هو الدولة الأحادية ما يعني تقسيم الدولة وهذا أمر خطر جدا على أي دولة مستقرة مستقلة
لقد شهدت السنوات الأخيرة ، تجارب عديدة تضمنت التدابير الفدرالية كجزء من خطط السلام بعد فترات الصراع : فالبوسنة و الهرسك و السودان و جمهورية الكنغو الديمقراطية و العراق كلها تبنت مؤسسات فدرالية أو التزمت بتطبيقها وهذا يأخذ فترة طويلة ، غير إن التنفيذ كان صعبا وظلت الأوضاع غير مستقرة ، بل إن بعضها فشل فشلا ذريعا مثل السودان التي أدت إلى انفصال الجنوب وهو سيناريو أدى إلى مزيد من الاقتتال قبل وبعد الانفصال كما نرى هذه الأيام على مناطق النفط ،فهم يلجؤون لفدرلة بلد ما لتصبح مهمة الحصول على النفط ومشتقاته أسهل و أيسر والفدرلة هي بداية انفصال اقاليم عن الأم الدولة غالبا وخصوصا عندما يكون هناك نزاع مسلح على اراضيها وليس مستبعد بعد الفدرلة اعلان انفصال اي اقليم
و يعترف القانون الدولي بحق الانفصال كحق شرعي فقط في حالات الانتهاكات لحقوق الإنسان الخاصة بالسكان !! .
وعادة يتخذ المجتمع الدولي موقفا عدائيا تجاه الانفصال لأنه يمكن إن يتسبب في توتر العلاقات الدولية . ففي إفريقيا ، حيث تمر الحدود السياسية عبر العديد من الجماعات العرقية ، من الممكن إن يؤدي حق الانفصال إلى تدمير الهيكل الكلي لدول القارة الإفريقية . و على الرغم من ذلك ، كانت هناك حالات انفصال أو تفكك للبلدان في العقود الأخيرة ــ من ضمنها الاتحاد السوفيتي السابق ، و يوغسلافيا ، و تشيكوسلوفاكيا ، و باكستان ، وماليزيا ( هو في الواقع طرد لسنغافورة ) وإثيوبيا( اريتريا ) .
أي إنه لابد من حدوث كوارث مثل انهيار اقتصادي لحدوث الانفصال أو تفكك الأنظمة الفدرالية ، بل إن دولة من أكثر الديمقراطيات في العالم مثل كندا عملت على إحجام انفصال مقاطعة الكيبيك ، حيث أصدرت المحكمة العليا في كندا حكما بأنه في حال قيام أغلبية واضحة في إحدى المقاطعات بالتصويت على سؤال واضح لصالح الانفصال فان ذلك يعطي المقاطعة الحق في السعي تجاه الانفصال من خلال المفاوضات ، بدون أي نتائج محددة مسبقا بالقانون . و يجب إن تعمل المفاوضات على التوفيق بين حقوق أغلبيتين شرعيتين على ان يكون القرار النهائي لهذه المفاوضات سياسيا . و هكذا ، فقد توصلت المحكمة لشيء أقل من الحق في الانفصال ، و لكنها أعطت وزنا معنويا لأي تصويت واضح إلى جانب الانفصال .
وقد كثر اللغط والتطبيل بموضوع الحديث الروسي عن الفدرلة في سورية، كتمهيد تدريجي لتهيئة البيئة الاستراتيجية لتقبل فكرة التقسيم الوطني السوري، وكأن كل الدماء التي نزفت لم تغير في الأجندة المجهزة بشكل مسبق، وبعيداً عن الخوض في التفاصيل أقول: الوطن يبقى وطنا، وأي حديث عن تقسيم أو تجزيء يبقى ضمن أهداف أعداء الوطن تحت أي مسمى كان، وما يهمني كمواطنة سورية أن يبقى قرار الوطن الذي اعتز بالانتماء إليه حرا ومستقلا،فسيادة الوطن لا تقبل التبعيض ولا التجزئة، وفي الحروب المفتوحة لا يبنى على هلوسات أصحاب الأيدي المرتعشة والقلوب المرتجفة الذين يطلقون تفسيراتهم الشخصية على أي تصريح يصدر…وإلى أولئك وأشباههم وأتباعهم وأبواقهم وووو أقول: الجمهورية العربية السورية كانت وستبقى موطن الأسود، ومعقل الكرامة وحصن السيادة، وكل ذرة تراب في سورية مقدسة، والشعب الذي قدم خيرة أبنائه وكواكب تتلو كواكب من جنوده قربانا لعزة سورية يعرف كيف يكون وفياً لتلك الدماء الطاهرة، وأي حديث عن الفدرلة أو غيرها هو تغريد خارج السرب ، فحاضر سورية ومستقبلها ونظام حكمها ومن يقودها حق حصري للسوريين وللسوريين فقط. يمكن للأصدقاء أو غيرهم من الأطراف الفاعلة على الساحة الدولية أن يتداولوا في أحاديثهم الأفكار التي يتم طرحها هنا وهناك، لكن هذا لا يعني إمكانية فرض أي شيْ على الدولة السورية، والتنسيق مع موسكو المتعملقة من البوابة السورية على مدار الساعة وفي كل صغيرة وكبيرة، وعلى من يتوهم أنه قد يتم الاتفاق بين الكبار / موسكو وواشنطن/ على رسم خارطة المنطقة برمتها نقول: معطيات الواقع تؤكد أن مصلحة موسكو مع سورية القوية وليس العكس، والسوريون الحقيقيون اليوم يفكرون في توسيع حدودهم الجغرافية وفي استعادة كل الأرضي السورية المحتلة في الشمال والجنوب وليس العكس، وخطوطنا الحمراء ستبقى أكثر احمراراً، فكل ما يتعلق بشخص السيد الرئيس وبوحدة سورية جغرافيا وبشريا وبالحق الحصري للشعب السوري في تجسيد إرادته هي خطوط أكثر من حمراء، ونقطة على السطر
وموضوع الفدرلة هو بعيد جدا سياسيا عن الساحة السورية لأنه سيجر المنطقة كاملة لحروب اهلية غير محمودة العواقب وتفجير دموي للمنطقة وصولا الى عقب ديار الدول المستعمرة التي لن ننفي عنها هذه الصفة المتأصلة فيها تاريخيا…
يتبع………










Discussion about this post