لدى الأميركي جغرافيا متحركة، أقصد تلك الحاملات الضخمة التي تجوب البحار والمحيطات وعلى متنها طائرات حربية منوعة .. وجد الأميركيون أن بإمكانهم احتلال العالم من خلال هذه الحاملات .. حين تم التفكير بإنشائها كان عالم ما وراء بحارها هو المقصود، كيف يمكن إرغامه، وكيف التسلط عليه، وفي البداية كيف إخافته؟
لا شك أن مشهد الحاملة بحد ذاته له رهبته، ما أن تتحرك حتى تتابع بالإعلام الذي يدير فعل السطوة أيضا .. صحيح أنه يقدم صورا لها وهي تتحرك، لكنه تحديدا يريد إبلاغ رسالة التفوق الأميركي في مجال الحضور أينما كان وتحقيق الهدف العسكري وتحويله إلى سياسي ساعة تشاء.
ذات تاريخ يعود إلى الحرب اللبنانية، امتلأ الشاطئ اللبناني بالبوارج وحاملات الطائرات الأميركية، كانت رسائل موقعة ضد لبنان، ولكنها يراد لها أن تصل إلى سوريا عبره .. كان بين تلك القوة المدمرة سفينة كبرى تدعى نيوجرسي تم حمل عدد من الصحافيين إليها لمشاهدة ما تحمله بحيث إن قذيفتها الواحدة تصل إلى ألف كيلو، وأنها بالفعل تم قذف إحداها باتجاه قرية لبنانية فتم تدمير جزء كبير منها.
كان الرد اللبناني والسوري أن لا خوف من هذا المشهد، وكل ما قاله الرئيس السوري الراحل كما عرف في ذلك الوقت لمسؤول أميركي قام بزيارته في هذا التوقيت المشهدي، أن اقرأوا جيدا تاريخ المنطقة لكي نتمكن من التفاهم معكم .. لا بل كان اللبنانيون يدمرون السفارة الأميركية في بيروت، ثم موقع المارينز عند المطار فيقتل أكثر من 260 منهم، ما دفع الرئيس الأميركي آنذاك ريجان إلى سحب قواته من لبنان، والمعروف عن هذا الرئيس أنه لا يعرف التفاصيل الجغرافية للمنطقة، وقد اكتشف الملك الأردني حسين أن ريجان لا يعرف أين يقع الأردن.
أكثر ما في مشهد الحاملات تأثيرا هو شكلها الجميل وما تحمله وعملية الترتيب الواضحة عليها .. لكن أمرها مرهون لما قد يجري عليها إذا ما أخطأ قادتها تجاه من لا يهابونها، كما جرى للأسطول الأميركي في بيرل هاربر إبان الحرب العالمية الثانية، يوم دمره اليابانيون عن بكرة أبيه.
الجغرافيا المتحركة إذن اختراع جميل لكنه لا يضمن السلامة لصاحبه، تفوز بالإعلام، إلا أنها قد تخطئ في تصور الطرف الآخر .. مفهوم الخوف عن الشعوب لم يعد له مكان في أدبياتها .. أعرف أن لدى القيادات العسكرية الأميركية متخصصين بالعلم النفساني ويقال النفسي، وأن هؤلاء المختصين يعرفون أن الشعوب عند لحظات التحدي تستأسد إلى أقصى حد ممكن .. بل يبلغ بها الرد أن تقوم بعمليات انتحارية كما فعل الطيارون اليابانيون بطائرات الكاميكاز حين لم يكونوا يقصفون البوارج الأميركية فقط، بل يسقطون بطائراتهم عليها.
لا خوف على من قرر أن يكون له قرار ذاتي نابع من شخصيته الوطنية والقومية كما فعل اللبنانيون في السابق أو اليابانيون كما قلنا .. وليس هنالك من يهلع إذا ما تحركت حاملة الطائرات قرب شواطئه، فيما يفرح مستشار الرئيس الأميركي للأمن القومي جون بولتون بهذه اللعبة التي تمخر عباب مياه الخليج .. فقليل من الانتباه إلى الآخر وليس إلى الذات وحدها لأنها تخطئ دائما في معرفة ردود هذا الآخر عليها. أعرف أن الأميركي لديه كل الاختصاصات، لكنه بكل أسف لم ينجح في فهم النفوس التي يتحداها.
زهير ماجد – الوطن العمانية












