تعود جذور مصطلح الإرهاب السيبراني أو الإلكتروني إلى الثمانينات وتحديدا إلى الباحث كولن . Collin المختص في شؤون الأمن والوقاية المعلوماتية، وقد أعاد النظر في المصطلح في سنة 1997 عندما قدم نماذج افتراضية لسيناريوهات هجمات سيبرانية. ويذهب كثير من المحللين إلى ارتباط المفهوم بتحولات بنيوية متت المجال العالمي وقع حصرها في عاملين: الأول انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومته الاشتراكية، فقد أدى ذلك إلى ظهور أنواع جديدة من المخاطر” ترتبط ب “تهديدات الأمن السيبراني مثل الحرب السيبرانية والتجسس الإلكتروني والجريمة السيبرانية وبالطبع الإرهاب السيبراني”.. أما الثاني فيتصل بالإنترنت نفسها التي عمقت حشدا من المخاوف “بين الخبراء الأمنيين والنخب السياسية مما جعل البعض يستخلص أن إرهابي الغد قد يكون قادرا على إلحاق ضرر أكبر بلوحة مفاتيح أكثر من قنبلة”. لذا تحول الإرهاب الإلكتروني إلى مصطلح شائع ورائج لا يخلو منه خطاب سياسي أو إعلامي حتى إن إحدى الدراسات أحصت 31300 مقال صحفي وعلمي صدر في الموضوع إلى موفى نوفمبر 2012.
وتعود أقدم التعريفات إلى ما قدمه مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكي FBI سنة 1997 عندما عرف الإرهاب السيبراني بأنه “الهجوم المتعمد ذو الدوافع السياسية ضد المعلومات وأنظمة الكمبيوتر وبرامج الكمبيوتر والبيانات الذي ينتج عنه العنف المسلط على أهداف غير قتالية”. لكن التعريف يفتقر إلى نظرة شمولية إلى عالم الاتصالات وآثار الإرهاب السيبراني على الاقتصاد والبيئة مثلا. وهو ما دفع مكتب التحقيقات مجددا في 2004 إلى إعادة النظر في المفهوم وتدارك ما شابه من مأخذ، فقدمت التعريف التالي “هو عمل إجرامي يحضر باستخدام الحواسيب والقدرات الاتصالية السلكية واللاسلكية مما يؤدي إلى العنف والتدمير و/أو تعطيل الخدمات حيث يكون الغرض المقصود هو خلق الخوف بالتسبب في الارتباك وعدم اليقين داخل مجموعة سكانية معينة بهدف التأثير على الحكومة أو السكان للاستجابة لأجندة سياسية أو اجتماعية أو أيديولوجية معينة.
لكن حالة التخبط وتقلب المفهوم لم تشمل مؤسسات الإدارة الأمريكية المعنية أكثر بالإرهاب السيبراني فحسب، بل عمت الباحثين المختصين أنفسهم فباحث مثل دوروثي دينينغ . راجع مفهومه الذي اقترحه في سنة 2000 عندما عرف الإرهاب الإلكتروني أول مرة بأنه “هجوم ينجم عنه عنف ضد أشخاص أو ممتلكات أو على الأقل يسبب ما يكفي من الضرر لتوليد الخوف”، ليعدله ثانية في 2001 بأن اعتبره “هجمات غير مشروعة وتهديدات بالهجوم على أجهزة الكمبيوتر والشبكات والمعلومات المخزنة فيها عند القيام بها لتخويف الحكومة أو شعبها أو إجبارها لتحقيق أهداف سياسية أو اجتماعية. وهو تقلب مفهومي له ما يبرره، لأن جدة الموضوع أولا وتنوع المنظورات ثانيا خلقا هذا الارتباك النظري إذ يوجد تنوع كبير في فهم الإرهاب السيبراني”، وهذا له انعكاسات حقيقية على التفكير في مجموعة الأنشطة التي يمكن دمجها في إطار هذا المفهوم”.
ولم تسهم التعريفات التي قدمت لاحقا في ضبط المفهوم وإزاحة الالتباس عنه، بل عملت على مراجعة نفس التعريف وتلافي نواقصة وتمتين تماسكه الدلالي، فالمجلس الأوروبي في سنة 2002 صك لنفسه مفهوما خاصا تعمد فيه بلوغ الكمال والإحاطة بالظاهرة، فعرف الإرهاب السيبراني بأنه التهديد بأعمال عنف حقيقية أو التحضير لها أو ارتكابها لأسباب أيديولوجية ضد أشخاص أو أطراف أخرى لإلحاق ضرر بالممتلكات، يمكن أن يؤدي إلى اضطراب اجتماعي بهدف إحداث تغيير اجتماعي أو خلق مناخ من الخوف بين جمهور الناس أو التأثير على صناعة القرار السياسي”. غير أن هذا المفهوم رغم حرصه على الدقة واستيفاء مختلف الجوانب يتغاضى عن طبيعة العالم الرقمي وما فيه من غنى وتشابك تجعل من العسير حصر وجوه حضوره في حدث الإرهاب الإلكتروني نظرا إلى الطرق التي لا تعد ولا تحصى التي قد يكون العالم الرقمي ماثلا فيها في الهجوم يصبح السؤال ما عددها؟ ما هذه الارتباطات الضرورية لتسمية مثل هذا الحدث إرهابا سيبرانيا؟”.
وبما أن الإرهاب السيبراني موصول بالعوالم الاتصالية الرقمية فإن ذلك يضع الإنترنت في موضع الاهتمام ولكن بأي معنى ودلالة؟ تذهب بعض التعريفات إلى اعتبار الإنترنت هدفا للعمل الإرهابي ومجالا يتم استهدافه بينما ترى تعريفات أخرى أن الإنترنت مجرد أداة أو وسيط افتراضي پيشر هذه الأنشطة الإرهابية، فهذه المفاهيم لم تحدد هوية الإنترنت وموقعها ووظيفتها بل اكتفت باعتبارها مكونا لا غير. وبهذا تلتبس صورة الإنترنت وحقيقتها في هذه التعريفات ويقع “الجمع بين الفضاء السيبراني هدفا ممكنا، وسلاحا يستخدمه الإرهابيون والجماعة الإرهابية لخدمات السلع الاتصالية التي نستعملها جميعا”. فالإنترنت التي كانت هدفا إرهابيا يمكنها أن تتحول إلى فضاء لا تبادل المعلومات العالمية والتخطيط وجمع الأموال”، و”الدعاية المجتمعية والتجنيد والعمليات المعلوماتية للتأثير في الرأي العام، وكأنما غموض موقع الإنترنت ودورها يزيد مفهوم الإرهاب السيبراني التباسا وتعقيدا.
وقد أسهم متغير أساسي في تحريف مفهوم الإرهاب السيبراني وإحاطته بهالة من الإثارة الجوفاء وهو العامل الإعلامي في تعامل هذه الدوائر مع الوقائع أو المخاوف أو الافتراضات، حيث نشأ نوع من “الغلو الإعلامي الذي مارس “دور التضليل المضطرب عن الإرهاب السيبراني”. فوسائل الإعلام التي تشترك مع الرأي العام في قلة الفهم للتكنولوجيا الرقمية الحديثة سؤقت لتصورات مرتبكة ومغلوطة عن الإرهاب الإلكتروني وحولت بعض الوقائع المعزولة والعرضية إلى حدث اصالي خالقة ضجة إعلامية هؤلت هذا المفهوم وشوهته في تناغم مع أصوات وخطابات أخرى مشابهة سياسية وأمنية، عندما أضافت وسائل الإعلام صوتها إلى جوقة المخيفين مع عناوين الصحف الأولى المخيفة” على حد تصور وايمان رغم تواتر تعريفات الإرهاب السيبراني وكثافتها فإن ذلك لم يفلح في وضع حدود فاصلة بين ما يجب إدراجه ضمن الإرهاب الإلكتروني وما ينبغي إقصاؤه من دائرة المفهوم، فهجمات القرصنة والمتسللين Hackers ينتفي عنها الباعث السياسي والأيديولوجي بما يجعل صفة الإرهاب لاغية في حقه كاقتناص كلمات العبور أو الاحتيال على البطاقات البنكية أو حتى إغراق وزارة العدل الأمريكية ومكتب التحقيقات الفيدرالي بالرسائل من قبل مجموعات “مجهولي الهوية”. فقد أشار كونوايConway إلى أنه لا ينبغي تصور هؤلاء المتطرفين على أنهم إرهابيون ولكنهم ورثة مؤذون لأولئك الذين يستخدمون تكتيكات التعدي والحصار في مجال الاحتجاج في العالم الحقيقي”. فهذه الأنشطة التي درج عادة ضمن الجريمة السيبرانية قد تتطور في كثافتها ومفاعيلها السلبية بما يجعلها خطرا محدقا بعالم الإنترنت وتكنولوجيا الاتصال، وليست مجرد أعمال قرصنة وتسلل مما يدعو إلى إعادة النظر في مفهوم الإرهاب السيبراني نفسه، فهناك احتمال أن تصبح هذه الاحتجاجات عبر الإنترنت أكثر جدية إلى درجة أنه ينبغي تصنيفها على أنها إرهابية إلكترونية”.
وكثيرا ما تسع دائرة الإرهاب الإلكتروني لتحوي ألوانا من الأعمال التي لا تتجانس فيما بينها ولا تتقارب، فبعضها يرتبط بهجمات تخريبية تستهدف الشبكة الإلكترونية دون أن يكون لها دافع سياسي أو مغنم اجتماعي كالجرائم المالية أو اختراق سرية المعلومات وخصوصية الحواسيب كفيروس مليسا Milissa الذي استهدف مليون جهاز كمبيوتر سنة 1999، وتسبب في خسائر بقيمة مليون دولار أو فيروس الحب “I Love You” الذي خلف خسائر بأكثر من 10 مليارات دولار في ماي 12000. لكن هذه الأنشطة تترافق وأعمالا أخرى تتبناها جماعات أو جهات حكومية كهجمات نمور التاميل في سريلانكا التي أغرقت العالم برسائل البريد الإلكتروني في 1998 أو هجمات الجيش السوري الإلكتروني” التي أطلقها النظام السوري واستهدفت مواقع المعارضة المسلحة والسلمية في 2014. بل نشأ ضرب جديد من الهجمات السيبرانية أربك المختصين في تصنيفه، وتقف وراءه دول وتتخذه واجهة حربية أخرى، إذ يمكن وصف الهجمات السيبرانية بين الدول التي استخدمت جنبا إلى جنب مع الهجمات العسكرية التقليدية مثل الهجمات التي أطلقتها روسيا ضد جورجيا في أزمة 2008 بأنها حرب سيبرانية بدلا من كونها إرهابا سيبرانيا”.
رغم شیوع مصطلح الإرهاب الإلكتروني وتواتره في الأدبيات الإعلامية والسياسية والأكاديمية فإنه ظل هلاميا، يفتقر إلى حدود معلومة ومضبوطة يلتبس بكثير من الأنشطة وخاصة ما تعلق بالجريمة السيبرانية كالاحتيال المالي، واختراق سرية الأجهزة، والسطو على الأسرار الصناعية للشركات الكبرى، والتحكم في النظم المعلوماتية. وهذا يدعو إلى البحث عن مقاربات ناجعة في تمثل الإرهاب الإلكتروني وتدبر خصائصه وأدواته، لأن “مهمة تحديد معنى الإرهاب السيبراني صعبة للغاية ولذلك يمكن مقاربته من مجموعة متنوعة من الزوايا”. فالبحث في المقاربات يمكن من الإحاطة بالظاهرة واستكشاف حقائقها المكنونة، ويوفر فرصة لضبط تعريف موحد وجامع يلغي الاختلافات والسجالات لضمان نجاعة أعمق وأشمل، فما هو ضروري هو توفير تعریف عملي ومحايد قدر الإمكان، وما هو ضروري أيضا هو قراءة حرص الآخرين وتقويم كيفية استخدامهم لهذه الكلمة”.
د. محمد سويلمي كلية الآداب والعلوم الإنسانية (سوسة، تونس)










