ادريس هاني
في روايته المثيرة “تحالف الأغبياء” افتتح جون كيندي سرديته بمقولة للأديب والسياسي والأسقف الإيرالندي جوناثان سويفت يقول فيها:”تعرف العبقرى الأصيل لحظة ظهوره فى العالم بهذه العلامة، الأغبياء جميعا يتحالفون ضده”. ويبدو أنّ هذا استنتاج ينمّ عن خبرة في المشاعر والأحاسيس والفهم لوضعية المجتمعات التي تنتج عوامل الإعاقة، لكننا إذا طبّقنا هذا الأمر على ما يحدث في إقليمنا السياسي سنجد أنّ المنطقة مأخوذة بسياسات الثّأر في غياب استراتيجيا حقيقية لها محدداتها ومقوماتها وتجلّياتها. إنّ الخوف من بروز أي قوة صناعية تخرق شروط البيئة الإقليمية الساكنة والقائمة على التبعية التي تنمحق معها كلّ مستويات الابتكار والعبقرية والاستقلال ينتج تحالفات غبية..دخلت المنطقة في سبات من التبعية حتى فقدت الإحساس بالمبادرة. ماذا يعني أن تكون مارقا من التبعية؟ إنها تعني أن تتحرك الأساطيل والبوارج لإعادتك إلى بيت الطاعة. هذا ما يحصل اليوم تجاه إيران بوصفها ارتهنت لثورتها ولم يعد أمامها سوى التكامل مع أطروحتها في كسر التبعية، فهي منطقيا تقع خارج نظام التحكم وبالتالي من الطبيعي أن لا تخضع للشروط الإسرائيلية، فما العمل؟
نحن على أعتاب حرب يصعب التصديق بوقوعها لكن كل شيء قد يصبح ممكنا أمام كبسة واحدة لزر النّار، وحينئذ كلّنا سيكون معنيّا بآثارها التي ستعيد الإقليم إلى توتّر يصعب احتواؤه. تبدو إسرائيل منزعجة من التطور العلمي لإيران، بينما الرياض تخشى فقط من التطور في الترسانة والقوة الإيرانية هذا في حين نتساءل متى كانت إيران أقلّ قوة في المنطقة منذ شابور الأوّل؟ وحتى في عهد الشاه كانت إيران هي الأقوى بلا منازع في المنطقة، لكن تخوف الرياض هو من الموقف السياسي الإيراني على الرغم من أنّ إيران حاولت مرارا أن تطمئن الرياض بأنّ ترسانتها غير موجهة للجيران. لقد لعب غياب الثقة دورا في هذا التصعيد، غير أنّ الرياض حشرت نفسها في خيار صعب: إمّا أن تغير إيران سياستها أو تمحى من الخريطة. لكن ماذا يعني أن تغير إيران سياستها؟ وهل لديها سياسة خاصة تجاه الرياض؟
إيران تدبر موقفها حيال واشنطن وحليفها الأقوى إسرائيل، وهذه تعتبر لدى إيران من الثوابت المبدئية للثورة، فهي في أقل تقدير لا تريد أن تكون جزء من نظام التبعية، وهذا الذي تطلبه الرياض، أي أن لا تحشر إيران نفسها في القضايا العربية؟ لكن كيف يستقيم هذا الطلب من وجهة نظر جيوسياسية؟ ومتى كانت إيران غير معنيّة بالقدس من عهد نبوخدنصر؛ لقد كانت إيران في قلب هذا الصراع، والجديد فيه اليوم أنّها أصبحت متماهية مع مطالب الشعب الفلسطيني، إنهم منزعجون من تماهيها مع المطلب الفلسطيني. ويبدو أن هناك سوء تفاهم كبير، تحاول إيران إقناع الرياض بأنّ نواياها حسنة بدليل دعمها للفلسطينيين بينما هذا هو المشكل في حدّ ذاته.. في مثل هذا الوضع ليس أمام إيران إلاّ أن تكون مع فلسطين أو ضد فلسطين أمّا الحياد فهو مطلب غير تاريخي. لكن خصوم إيران يقولون أنها تستغل القضية الفلسطينية، ويبقى السؤال: تستغلها لأي غرض؟ إن كان الغرض أن تكون قوية ومهيمنة في المنطقة يمكنها أن تقبل بنظام التبعية الذي ستحتل فيه موقع المحور الإقليمي الأول في المنطقة، فهذه ميزة تحددها جملة الشروط الجيوستراتيجية لكل دولة، وقد اتضح أنّ كل ما جرى حتى الآن هو نتيجة هذا التدخل.
تستطيع أمريكا أن تدفع بمزيد من بوارجها وعديد جنودها لكن كل ذلك لا يكفي في مواجهة إيران، أما إسرائيل فستكون إن اندلعت الحرب هي الهدف الرئيسي لكن ماذا عن الرياض؟
الجواب ما قاله كولن باول لقناة فوكس الأمريكية قبل أيام، قوله بعد عام واحد من حرب السعودية على اليمن:” أخطأنا بترك السعودية تهاجم اليمن، وكان علينا ألا نصدق وعودهم، فاكد سلمان وابنه ان الحرب على اليمن لا تستمر اكثر من عشرة أيام، وأن الجيش السعودي قادر على دخول صنعاء بعد اليوم السابع من بدء الهجوم، والنتيجة كانت بعد 41 يوماً من القصف سمعنا صراخ السعوديين يطلبون النجدة، لأن اليمنيين دخلوا أراضي سعودية واسعة وقتلوا العديد من الجنود السعوديين، وصادروا أسلحة مهمة، رغم أننا قدمنا دعماً لوجستياً كبيراً للسعوديين”.
وعن أي حرب ممكنة في المنطقة لا سيما تحمّس الرياض للحرب على إيران قال كولن باول:” لقد أخطأنا كثيراً عندما راهنا على جيش ضعيف ووزير دفاع ليس لديه فكرة عن كلمة حرب، ولذلك نصحنا السعوديين بالكف عن المهاترات لأنهم مكشوفون من قبل إيران، ان الحرب مع ايران معناها عودة السعودية الى ما قبل العصر الصناعي خلال ساعات”.
وقال باول بأنهم خلال تلك الساعات لم يستطيعوا شيئا، و”بأننا غير قادرين في تلك الساعات السريعة على منع الإيرانيين من تدمير البنى التحتية للسعودية، ولأهم شركاتها النفطية، وحينها لن يجد السعوديون خط هاتف يكلموننا فيه”.
ونتساءل مرة أخرى: ما هي الفائدة من حرب كهذه سيكون المتضرر فيها هو محور إقليمي وربما سيتحمل وحده خسائر الح
رب؟ إذا كانت إيران تنمّي إمكانياتها وقدراتها وتتطلع إلى النووي واختراق الفضاء والنانو فهل سنكون جزء من تحالف الأغبياء كما سمّى جون كيندي روايته؟ هل نحتاج إلى أن نحترق بالنّار قبل أن نعرف أنّ اللعب بها له عواقب وخيمة؟ هل يمتلك قادة الإقليم أن يستوعبوا تلك الحقيقة وهي أنّ إيران قويّة ولا يمكن أن تكون إلاّ قويّة وأنّ المطلوب عدم التدخل في الشؤون الإيرانية حيث يغرق المشهد يوميا بحديث عن إيران ونظامها ومؤسساتها وقادتها ورموزها وتاريخها ناهيك عن أشكال التخطيط والتحريض على الحرب لا يقلّ عن خطاب التدخل والإساءة..هذه حرب لن تقوم لأنّ المتحكم فيها طرفان يدركان جيدا خطورتها: واشنطن وطهران والباقي كومبارس يبحث عن دور دون أن يستوعب تفاصيل السيناريو…
ادريس هاني











