إن جريمة إسرائيل الكبري ليس فقط أنها تحتل الأراضي الفلسطينية وتنتهك الحرمات وتهود المقدسات، وإنما الجريمة الأكبر اليوم تتمثل في حصار ما يزيد عن خمسة ملايين مواطن فلسطيني في قطاع غزة منذ ما يزيد عن عشر سنوات، وذلك على مرأى ومسمع من العالم أجمع دون أن يقدر أحد على أن يقول لها إن ما تفعله يندى له جبين العالم الحر، لأنه يمثل جريمة حرب بل هو أكبر، فأي منطق وأي عقل يقول أن تفرض دولة محتلة على شعب حصارا يستمر كل هذه المدة، وذلك بالمخالفة ليس فقط للقانون وإنما لكل الأعراف والمواثيق الإنسانية والدولية المعنية بحقوق الإنسان؟ فأي دولة هذه التي تمنع حتى قوافل فك الحصار من الوصول إلى هذا الكم الهائل من البشر في تلك الرقعة الصغيرة من الأرض لمد يد العون والإغاثة له؟
ولا تكتفي إسرائيل بذلك بل وتشن من فترة لأخرى حروبا دامية لكسر إرادة هذا الشعب، ودفعه للإذعان للإرادة الصهيونية التي تسعى للقضاء على ما تبقى من القضية الفلسطينية، خصوصا ما يتعلق بالمقدسات واللاجئين، إذ شهدت الأعوام العشرة الماضية قيام إسرائيل بشن ثلاث حروب على قطاع غزة في أعوام 2008 و2012 و2014 راح ضحيتها ما يقرب من 4 آلاف شهيد وإصابة أكثر من 16 ألف مواطن، هذا بخلاف عمليات هدم المباني من بيوت ومدارس وجامعات، ولا تزال تشن هجمات متفرقة على القطاع بين الحين والآخر يروح ضحيتها العشرات من أبناء الشعب الفلسطيني المحاصر.
وللأسف الشديد بدلا من أن يدين المجتمع الدولي ذلك الحصار الغاشم، نفاجأ بأن الولايات المتحدة لا تكتفي باستخدام حق النقض الفيتو الذي ترفعه مرارا وتكرارا لمنع أي إدانة للإجرام الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني، بل وتخرج علينا بما يعرف بصفقة القرن التي تستهدف بدورها القضاء على ما تبقى من القضية الفلسطينية.
ولا يزال الحصار قائما ولا أمل في أن يرفع، ليس لقوة إسرائيل ولكن لعجز المجتمع الدولي عن اتخاذ موقف حاسم تجاه الانتهاكات الخطيرة التي ترتكبها معتمدة على الحماية الدولية المكفولة لها من قبل الولايات المتحدة والقوى العظمى التي لا تتورع عن استخدام حق النقض في حال وجود أي قرارات تدين إسرائيل.
إن الصمت على تلك الجريمة لهو جريمة أكبر يرتكبها المجتمع الدولي الذي يرى الشعب الفلسطيني يموت كل يوم تحت وقع هذا الحصار المفروض عليه ولكنه يأبى التسليم والإذعان لإرادة المحتل، لا لشيء إلا لأن هذا معناه ضياع القضية والقضاء على آخر أمل للشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود عام 1967.
لذلك فإن أي حل للقضية الفلسطينية يتعين أن يبدأ بفك هذا الحصار الغاشم عن الشعب الفلسطيني، وإعطائه حقه المشروع في الحياة الكريمة مثله مثل بقية شعوب العالم الحر، على أن تحل بقية القضايا على طاولة المفاوضات، وليس من خلال سياسة الجبر والإكراه التي تحاول الولايات المتحد فرضها، فقضية عمرها أكثر من سبعين عاما لا يمكن لها أن تحل بهذه الطريقة التي تراها إدارة الرئيس ترامب، فبدون السلام العادل والشامل لن ينتهي الصراع وسيظل الجميع يدور في حلقات مفرغة، ولن نجني سوى مزيد من الصراع وعدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط والعالم.
الوطن العمانية – د اسامة نور الدين











