هل باتت السياسة الخارجية الأميركية ترسم من خلال تويتر، وتعرف ملامحها وتوجهات إدارتها من خلال انتظار ما سوف تجود به قريحة الرئيس الأميركي من أفكار يتم بثها من خلال موقع التدوينات القصيرة “تويتر”، فالمتابع لشكل ومضمون السياسة الخارجية في الفترة الأخيرة، وتحديدا بعد تولي الرئيس ترامب مقاليد الأمور في البيت الأبيض، يلحظ تغييرا في شكل السياسة الخارجية الأميركية التي باتت ملامحها تعرف من خلال “تويتر” وليس من داخل مراكز الفكر والقرار في الولايات المتحدة مثلما هو معتاد في الإدارات السابقة.
وفي الواقع أن المرء يصاب بالدهشة وهو يتابع تدوينات الرئيس ترامب، إذ لا يعرف على وجه الدقة ما إذا كان يتعامل كمواطن أميركي له حق التعبير عن الرأي فيما يخص القضايا والصراعات التي يشهدها العالم خصوصا منطقة الشرق الأوسط، أم يقول ما تمليه عليه واجبات منصبه كريس لأقوى دولة في العالم، ومن ذلك مثلا عندما يعبر عن رفضه للحرب الدائرة في سوريا، ويقول لروسيا عندما تقوم ببعض العمليات في مناطق الصراع السوري “توقفوا” هل هذا تعبير عن التمني مثله مثل غيره من أبناء المعمورة الذي يتمنى وقف الصراع في أي بقعة من بقاع الكون؟ أم هو أمر من رئيس الولايات المتحدة إلى شريكه الروسي بأن يتوقف؟
إن الأمر محير، ولكنه في الحقيقة معبر عن حدوث تغير في السياسة الأميركية، وهو تغير أراه خطيرا وينبئ بتراجع دور ومكانة الولايات المتحدة على الصعيدين الإقليمي والدولي، وذلك لأكثر من سبب، منها أن المعروف من أدبيات العلوم السياسية أن السياسة الخارجية لأي دولة إنما تصنع في الغرف المغلقة ومن خلال مراكز الفكر والقرار، وليس من خلال “السوشيال ميديا” كما يفعل الرئيس ترامب، وأن تعامل الدول مع مواقف شركائها وأعدائها على حد سواء لا يتم من خلال توجيه رسائل غير مباشرة عبر المواقع الإلكترونية، وإنما من خلال جلسات مطولة وأحيانا تهديدات مباشرة مثلما حدث مع إيران في الفترة الأخيرة، أما أن يقال لدولة أو قوة توقفي لأن ما تفعلينه يتعارض مع القيم والمبادئ الإنسانية فهو أمر غير متعارف عليه لدى الأنظمة والحكومات الآن وفي السابق، يضاف إلى ذلك، أن هذا الأمر يسبب الارتباك لبعض الشركاء، إذ لا تعرف على وجه الدقة حقيقة توجهات السياسة الخارجية لدولة مثل الولايات المتحدة، ما يجعلك تخضع للتحليلات والتأويلات حتى لا تتخذ مواقف وقرارات تسبب لك حرجا مع هذا الشريك أو غيره.
وهنا يثور تساؤل آخر بشأن ما إذا كانت تلك التدوينات موجهة إلى القوى الإقليمية والدولية المعنية بها؟ أم هي رسالة للداخل الأميركي للتعبير عن شخص الرئيس المحب للسلام والرافض للصراعات الدموية التي تحدث في بقاع مختلفة من العالم، وذلك من أجل كسب ود وتعاطف الناخب الأميركي، الذي يخصه الرئيس ترامب بتدويناته حتى قبل أن يصل إلى البيت الأبيض؟
لذا فإنه بمرور الوقت سيصل المجتمع الدولي والمتابعون للسياسة الخارجية الأميركية إلى قناعة بأن لا يعطوا أهمية كبيرة لكلام الرئيس ترامب الذي يحاول لفت الأنظار لشخصه، ولكن دون أن تترتب على كلماته أفعال حقيقية على أرض الواقع، الأمر الذي يضر بسمعة ومكانة رئيس الولايات المتحدة بل ويضر بسمعة ومكانة الولايات المتحدة على الصعيد الخارجي بشكل قد يتسبب في تراجع تلك المكانة في المستقبل.
د.أسامة نورالدين – الوطن العمانية











