لم يكن أمام الحكومة الصهيونية بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بعد كل ما قدمه لها الرئيس الأميركي دونالد ترامب من خدمات سوى أن تكافئه، فالرجل لم يترك شيئا مخالفا للأعراف والمواثيق الدولية، بل ومخالفا لقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن إلا وفعله من أجل إسرائيل، للدرجة التي جعلت الولايات المتحدة ولأول مرة وبشكل علني شريكا غير محايد في عملية السلام، بعد أن عمدت إلى سلب الطرف الفلسطيني حقه المشروع في إقامة دولته المستقلة على حدود عام 1967 مثلما سبق وصرح رؤساء الولايات المتحدة، ليس هذا فحسب، بل وأن يكون له أي حقوق من الأساس، وقد وصلت الأمور لحد الإعلان عن تلك الصفقة المشبوهة التي تعرف إعلاميا باسم “صفقة القرن” والتي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية من الأساس.
وقد تمثلت المكافأة الصهيونية للرئيس الأميركي في إطلاق اسمه على مستوطنة جديدة أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن بنائها في مرتفعات الجولان المحتلة، وذلك كنوع من الاحتفاء بقرار الرئيس الأميركي الاعتراف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان التي احتلتها إسرائيل عام 1967 وضمتها عام 1981.
وفي الواقع تعكس الخطوة الإسرائيلية عدة دلالات في غاية الخطورة، يأتي في مقدمها الأهمية الكبيرة التي يمثلها الرئيس ترامب لإسرائيل عموما ولرئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو على وجه الخصوص، حيث كان ترامب بما قدمه من خدمات لنتنياهو بمثابة المنقذ له في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، والتي نجح خلالها حزب الليكود في النجاة من فخ السقوط بعد الاتهامات التي وجهت لرئيسه بالفساد والمطالبة بمثوله أمام القضاء للمحاكمة، تلك الأهمية التي حولت العلاقة ما بين ترامب ونتنياهو من صداقة إلى تحالف وتعاضد للدرجة التي تجعل الرجلين يعتقدان بأن مصيرهما واحد، وأن نجاح نتنياهو في انتخابات الكنيست يمهد لنجاح ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة.
كما وتعبر تلك الخطوة عن مدى الرضا الإسرائيلي عن الرئيس الأميركي، وحاجتها لاستمرار الرئيس الأميركي في منصبه حتى تستكمل مشروع تصفية القضية الفلسطينية بالشكل الذي يتوافق مع الرؤى والاستراتيجيات الصهيونية، وفي نفس الوقت العمل على إدماج إسرائيل الكامل في منطقة الشرق الأوسط بعد الانتهاء من عمليات التفتيت والتقسيم التي تجري الآن على قدم وساق في العديد من الدول العربية التي تعاني من أزمات وصراعات محدقة.
أما أخطر ما تعبر عنه تلك الخطوة فيتمثل في التحديات التي قد تواجه الشعب الفلسطيني في حال استمر التحالف الصهيو أميركي على هذا الحال، إذ يعني هذا استمرار الحصار الخانق المفروض على الشعب الفلسطيني المحاصر في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفرض المزيد من الضغوط عليه من أجل كسر إرادته ودفعه للقبول بخريطة الطريق الصهيو أميركية والمتمثلة في صفقة القرن.
وعلى عكس ما يعتقد البعض لن تقتصر مخاطر هذا التحالف على القضية الفلسطينية بل ستصل إلى العديد من الدول العربية والإسلامية التي تمثل خطرا على إسرائيل، ما يجعل عبء المقاومة والتصدي لهذا التحالف لا يقتصر على الشعب الفلسطيني المقاوم، وإنما يستدعي ذلك انخراط كافة الدول العربية والإسلامية بل وغيرها من دول العالم الحر في هذا التحدي الوجودي، حتى يتم القضاء على المشروع الصهيو أميركي، وإعادة إسرائيل إلى مربع السلام العادل والشامل، حفاظا على الأمن والاستقرار في المنطقة، ومنعا لتدهور الأحوال بالشكل الذي يضر بمصالح المجتمع الدولي في منطقة الشرق الأوسط.
د.أسامة نورالدين
كاتب وباحث علاقات دولية











