بين الخيانة والتبعية، تحشد الولايات المتحدة ومعها كيان الاحتلال الإسرائيلي كل طاقتها لتهيئة الأجواء المواتية لولادة سليمة لما تطلق عليه خطة السلام في الشرق الأوسط والمسماة بـ”صفقة القرن” حتى لا تتحول إلى “خطيئة القرن” فتغرق معها كل السياسات الصهيو ـ أميركية المتبعة والتي تمكنت من التمهيد المطلوب للوصول إلى هذه اللحظة التاريخية التي يتحول معها العرب من النقيض إلى النقيض بصورة لم يكن يتوقعها أشد المتشائمين لا في الولايات المتحدة ولا في كيان الاحتلال الإسرائيلي ولا حتى في غيرهما.
بين الوصف الذي أطلقه الفلسطينيون على كل من يشارك في المؤتمر الاقتصادي الذي تعتزم واشنطن وتل أبيب عقده في المنامة بأنه “خائن”، وبين الوصف الدال على التبعية المطلقة الذي جاء على ألسنة مسؤولين صهاينة وإسرائيليين بأن من يرفض المشاركة سيحضر وهو “صاغر” وإلا فإن العين الصهيو ـ أميركية ستحمر عليه، وسيكلفه ذلك “العرش والكرش”، يبدو أن صورة المشهد بين الوصفين ستكون مختلفة تمامًا، حيث النظرة إلى رموز المشهد وهم على الطاولة المستديرة ستقود إلى استنتاجات جديدة تؤكد ما ثبت واعتمل في النفس، حيث اللاعب على طاولة المؤتمر ـ وكما يريده الصهيو ـ أميركي ـ هو القرار السيادي المغتصب والإرادة السياسية المسلوبة والأموال البترودولارية المنهوبة.
المؤتمر يمثل الشق الاقتصادي لما يسمى بـ”صفقة القرن”، وحسب مسؤولين أميركيين ووثائق اطلعت عليها وكالة رويترز فإن خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب الاقتصادية للسلام في الشرق الأوسط التي يبلغ حجمها 50 مليار دولار تدعو لإقامة صندوق استثمار عالمي لدعم اقتصاديات الفلسطينيين والدول العربية المجاورة، وبناء ممر بتكلفة خمسة مليارات دولار يربط بين الضفة الغربية وقطاع غزة. وقالت الوثائق إن خطة “السلام من أجل الازدهار” تشمل 179 مشروعًا للبنية الأساسية وقطاع الأعمال. ومن المقرر أن يقدم جاريد كوشنر صهر ترامب الخطة خلال مؤتمر دولي في البحرين هذا الأسبوع. كما سيتم إنفاق أكثر من نصف الخمسين مليار دولار في الأراضي الفلسطينية المتعثرة اقتصاديًّا على مدى عشر سنوات، في حين سيتم تقسيم المبلغ المتبقي بين مصر ولبنان والأردن. وسيتم إقامة بعض المشروعات في شبه جزيرة سيناء المصرية التي يمكن أن تفيد الاستثمارات فيها الفلسطينيين الذين يعيشون في قطاع غزة المجاور.
ويمكن وصف المؤتمر الاقتصادي الصهيو ـ أميركي بأنه يمثل عنق الزجاجة، في حال نجاحه سيمكِّن من خروج ما يسمى بـ”صفقة القرن” إلى العلن والمضي نحو التنفيذ الحقيقي لها وصولًا إلى النهايات المرادة وهي تصفية القضية الفلسطينية، حيث مضمون ما جاء على لسان عرَّاب “صفقة القرن” كوشنر، وما سُرب من وثائق وجاء في تصريحات لمسؤولين أميركيين يتجاهل تمامًا حقوق الشعب الفلسطيني، لا في أرضه، ولا في إقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، بل مضمون ذلك يصور الفلسطينيين بأنهم مجرد مجموعات من البشر جائعة ومشردة، وعبء على أرض فلسطين المحتلة، وفي هذا أي منقصة؟ وأي ظلم بيِّن وسلب للحقوق؟
في الشكل والمضمون أراد الصهاينة والأميركيون مما يسمى “صفقة القرن” أن تكون الوصفة النهائية القاضية على الحقوق الفلسطينية، وعلى قرارات الشرعية الدولية، والمعاهدات الدولية ذات العلاقة بالاحتلال والأسرى، وعلى كل ما طرح من مبادرات وحلول آخرها “حل الدولتين”؛ لذلك ليس من الإنصاف أن توصف بأنها خطة سلام، وإنما هي “خطيئة” بكل المقاييس والأحكام، وذلك لخلوها من مظاهر العدالة والإنصاف والمساواة، وتجاهلها المقصود الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، فضلًا عن أنها لم تحمل مواصفات التسوية السياسية المنشودة التي تقيم موازين العدل، بالإضافة إلى احتمال الموقف الرافض للدول المعنية والمجاورة؛ لذا لم تقدم (الصفقة) أي حل ولو جزئيًّا أو مؤقتًا، بل هي تكريس واضح لمصادرة ما تبقى من حقوق الفلسطينيين، وتكريس لمظاهر الظلم والعدوان، ولجرائم الحرب الإسرائيلية.
والسؤال الذي يطرح ذاته هو: إذا كانت ما تسمى بـ”صفقة القرن” إحدى وسائل الابتزاز ونهب الأموال العربية وتحديدًا أموال البترودولار، فهل يقبل أصحابها أن تكون أموالهم أداة لاغتصاب فلسطين كل فلسطين وتصفية حقوق سكانها الأصليين وهم الفلسطينيون وتسليمها لعدو الأمة المطلق، مثلما قبلوا أن تكون أموالهم أداة لتدمير الدول العربية الكبرى (سوريا، ليبيا، اليمن، العراق و…)؟
صحيح أن هناك من استعد وشد الرحال لحضور المؤتمر الاقتصادي الصهيو ـ أميركي ليضفي مشروعية على أكبر مؤامرة تتعرض لها الأمة في هذا العصر، وليكون شاهد زور، إلا أنه للأسف لا يعلم أن المؤامرة التي يروج لها العرَّابون الصهاينة ما هي سوى سلعة فاسدة لن تجد من يُقبل عليها أو يشتريها من العرب والفلسطينيين الأحرار والأشراف، لهذا ستبدو طاولة المؤتمر مقلوبة على رؤوس العرَّابين، وسيجرون أذيال الخيبة والعار متجهين رأسًا إلى مزابل التاريخ؛ فالكلمة باتت بيد أبناء الشعب الفلسطيني، وبيد أبطال المقاومة.
خميس التوبي – الوطن العمانية










