كانت أهم مكتسبات السياسة الخارجية التي تتبناها تركيا هي علاقاتها الوثيقة مع الغرب. فعضويتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) مع المستوى المتقدم الذي بلغته في عملية اندماجها مع الاتحاد الأوروبي هما ما ميزا تركيا عن غالبية جيرانها؛ وقد سهلت العلاقة مع الغرب التواصل التركي مع الشرق الأوسط ودول الاتحاد السوفيتي السابق ومنطقة البلقان.
غير أن ذلك قد أصبح في ذمة التاريخ الآن. وفي الأسابيع المقبلة، ربما نشهد تركيا وقد صارت هدفا لعقوبات تفرضها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
إن الخلاف بين الولايات المتحدة وتركيا قد قُتل بحثا على مدى سنوات في أوراق مراكز الدراسات البحثية ومقالات الرأي وعلى وسائل التواصل الاجتماعي وجرت مناقشته إلى حد الملل.
فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان يصر على تسليم صواريخ إس-400 الروسية لتركيا الشهر المقبل. وردا على ذلك، تعتزم الولايات المتحدة تفعيل قانون مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات (كاتسا). وقد أشار كبار المسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إلى أن قائمة الشركات التركية المقرر استهدافها ستتجاوز حدود تلك التي تتعاون مع لوكهيد مارتن في تحالف الشركات المساهمة في تصنيع الطائرات إف-35 المقاتلة. فالأرجح أن تأثير العقوبات سيغطي جميع أنحاء قطاع الدفاع التركي.
ومن دون حدوث المعجزة والتوصل إلى حل وسط في اللحظة الأخيرة، فإن مثل هذه الخطوة من شأنها خفض مستوى العلاقات بشكل خطير بين البلدين العضوين في حلف شمال الأطلسي. وستُوضع تركيا في الواقع في سلة واحدة مع روسيا وإيران وكوريا الشمالية. صحيح أن تركيا لن يتم إنهاء عضويتها في حلف شمال الأطلسي، مثلما يرغب بعض الصقور في واشنطن وبعض القوميين المتشددين الأتراك، إلا أنها ستظل حليفا بالاسم فقط.
دعونا نرى إلام ستؤول الأمور، ولكن من المهم في تلك الأثناء الانتباه للتفاصيل الدقيقة، ألا وهي كيف سيكون وضع تركيا في مبادرات الناتو المختلفة. لعل استبعاد الطيارين الأتراك من برنامج التدريب على المقاتلات إف-35 (وهي مسألة ثنائية بين تركيا والولايات المتحدة وليست خطة الناتو) يعطينا لمحة عما ستؤول إليه مجريات الأحداث. ومن بين الأمور التي ستركز عليها الأنظار بلا شك مساهمة تركيا في “الوجود الأمامي الخاص” لحلف شمال الأطلسي في منطقة البحر الأسود بهدف احتواء روسيا. وتشارك تركيا في تدريبات “سيبر غارديان” هذا العام، وهي تدريبات عسكرية نصف سنوية تستضيفها رومانيا وبلغاريا. غير أنها لم تكن قط في طليعة تلك الأنشطة، خشية استعداء روسيا.
على الجانب الإيجابي، صرح قائد القوات الجوية الأميركية في أوروبا الجنرال تود دي ولترز بأنه لا نية لنقل نظام رادار الإنذار المبكر القوي المتمركز في قاعدة كوريجيك قرب ملطية في شرق تركيا. وتشارك المقاتلات الأميركية إف-35 في تدريبات في تركيا هذا الأسبوع. وأخيرا وليس آخرا، جدد حلفاء أوروبيون مثل إسبانيا وإيطاليا، اللتين نشرتا بطاريات صواريخ أرض-جو على الأراضي التركية، عروضهم لمواصلة التعاون مع تركيا.
ولكن بالتزامن مع ذلك، تخوض تركيا مواجهة مع الاتحاد الأوروبي. فقد دقت اليونان وقبرص ناقوس الإنذار بشأن الحفر البحري التركي للتنقيب عن النفط والغاز في المنطقة الاقتصادية الخالصة بالجزيرة المقسومة. كما يشعر اليونانيون بالقلق من الحفر المحتمل للتنقيب في المياه حول جزيرة كاستيلوريزو في دوديكانيسيا، والتي لا تبعد سوى كيلومترين عن الساحل التركي.
ويحث رئيس الوزراء اليوناني أليكسيس تسيبراس، الذي يتجه صوب انتخابات مبكرة في السابع من شهر يوليو، مع الرئيس القبرصي نيكوس أناستاسيادس على تبني رد قوي، في الوقت الذي يجتمع فيه قادة الاتحاد الأوروبي هذا الأسبوع في قمة تستمر يومين. ولم يتضح بعد ما إذا كان ذلك يعني تبني لهجة قوية في البيان الختامي للمجلس الأوروبي أم اتخاذ إجراءات ملموسة ملزمة قانونا لمعاقبة تركيا. بيد أن صعود النزاعات البحرية على القائمة الطويلة للقضايا المثيرة للخلاف بين الاتحاد الأوروبي وتركيا لا يبشر بالخير.
هذا التوتر المتصاعد بين أثينا وأنقرة أيضا يعني أن الزخم الإيجابي الذي ولدته زيارة تسيبراس لتركيا في شهر فبراير قد تبدد. وكان حزب سيريزا الذي ينتمي إليه تسيبراس، رغم كل عيوبه، ملتزما بحل المشاكل مع جيران اليونان، لكنه الآن في طريقه إلى الخروج من السلطة. أما حزب الديمقراطية الجديدة المنتمي لتيار يمين الوسط فيتبنى موقفا متشددا.
ومن المرجح أن تتخذ الحكومة الجديدة التي سيترأسها زعيم حزب الديمقراطية الجديدة كيرياكوس ميتسوتاكيس أن تتخذ موقفا صارما تجاه تركيا. وسيحاول ميتسوتاكيس الاستفادة من التحسن الملحوظ الذي أحدثه تسيبراس في العلاقات مع الولايات المتحدة والبناء عليه. كما أن تحالف اليونان مع إسرائيل يعزز أيضا من موقفها في شرق المتوسط.
وقال تسيبراس في مقابلة تلفزيونية أجريت في الفترة الأخيرة: “تركيا ضعيفة ومعزولة”. ولا شك في أن ميتسوتاكيس يتفق مع هذا التحليل أيضا. ومع وقوف الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بجانبهم، فإن صناع السياسات اليونانيين يراهنون على الأرجح على استسلام أردوغان وتقديمه تنازلات وليس العكس.
أما السيناريو المنذر بالأهوال، وهو خروج تركيا من حلف شمال الأطلسي والانهيار التام لعلاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، فلربما لا يتحقق. ذلك أن كلا من أردوغان والشركاء الغربيين لتركيا لديهما مصالح قوية في السيطرة على التوترات، بيد أنه من الواضح أن السياسة الخارجية التركية باتت في مأزق. فمشاكل تركيا مع كل من أوروبا والولايات المتحدة تقلص من مساحة المناورة المتاحة أمام أنقرة بينما تفيد منافسيها.
ديميتار بيشيف –
عضو في مركز يورواسيا ضمن مجلس الاطلسي.
متخصص بالشأن الروسي والتركي.










