ميرنا لحود
لطالما كانت العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية وسائر دول العالم ترتكز على المصالح الاقتصادية البحتة أولاً ومن ثم تأتي السياسية في الدرجة الأخيرة. وكلّ ذلك بهدف وعنوان واحد يتمثل بـ «أميركا أولاً».
لكنّ الفرصة الذهبية التي دفعت بالولايات المتحدة إلى قمة الهرم لتصبح أول دولة عظمى عالمياً، هي غداة الحرب العالمية الثانية، بحيث وجدت أميركا نفسها في لحظة اقتصادية سياسية فريدة. فرصة وفرت لها هيمنة استثنائية على العالم وثرواته، إذن فلا بدّ من استغلال ذلك الظرف بالنسبة لأميركا. فعمدت الولايات المتحدة إلى العمل على وضع خطة تمكّنها ليس فقط من بسط سيطرتها على العالم فحسب إيما أيضاً استدامة تلك الهيمنة وبسلاسة.
عشية انتهاء الحرب العالمية الثانية، بدأت أميركا بإعداد مشروع من الخطط أو مجموعة من الخطط السرية وجمعت في ملف عنونته «بالمذكرة 68 لمجلس الأمن القومي».
والجدير بالذكر أنّ هذا الملف لم يصل إليه إلاّ عدد قليل من المثقفين والباحثين. وتحتوي تلك الخطط على استراتجيّات تهدف إلى تصوير وتحقيق «الرؤية الأميركية للعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية».
وكانت الصناعة وقتئذ شبه معدومة في أوروبا بسبب الحرب. وكون أميركا لم تخض أيّ حرب على أراضيها فصناعتها كانت تتمتع بازدهار باهر. لذا لقد استغلت أميركا الفرصة الفريدة. فهي في مكان ووضع السيد، السيد على العالم. إذ كانت أميركا تملك في ذلك الوقت وبمفردها «50 من الثروة العالمية وتمسك بالقطبين ما يجعلها تهيمن على الأمن العالمي». عنصران مهمان. وكان المخططون يدركون أهمية المكانة والوضع الاستثنائي لتلك الفترة وللعاملين. ولا تقتصر الفكرة على وضع الخطط فقط بل تدأب على استمراريتها للمستقبل.
من هم مخططو ومدوّنو المذكرة؟
هم عبارة عن دائرة مؤلفة من أشخاص يعملون في وزارة الخارجية سواء أكانوا وزراء أو مستشارين أو رجال أعمال لهم القدرة على التأثير في القرارات الخارجية الاقتصادية للولايات المتحدة.
ويؤكّد الباحثون الذين أجروا دراسات على تلك الخطط أنّ ما من شيء يهدّد الولايات المتحدة إلاّ ما يسمّى بـ «المثل الصالح» بمعنى السّراط المستقيم لأنّه يشكل نموذجاً للآخرين، ما لا تريده أميركا. بتعبير آخر، إذا أرادت أيّ حكومة العمل على المصلحة العامة لشعبها سواء من خلال تحسين مستوى المعيشة والعدالة الاجتماعية لمواطنيها وهي العمود الفقري للديمقراطية فستكون تلك الحكومة في مرمى ومصيدة الإدارة الأميركية. فسيجري استهدافها بشكل مباشر أو غير مباشر كي يتمّ تفكيك الحكومة والقضاء على سلطتها حتى انعدام قوتها، وسيكون الأمر كذلك لكلّ من يقتفي خطى النموذج «الصالح» من باقي دول العالم سواء أكانت صغيرة أو كبيرة.
وتصنّف أميركا عبارة «المثل الصالح» ببدعة أو بـ «محور الشرّ». لأنّه ببساطة يشكل عرقلةً للمضيّ قدماً لما يخدم مصالحها، ما يعني أنه يشكل تهديداً لاقتصادها وأمنها ونموذجها الاجتماعي والسياسي. والبلدان الرافضة لتلعب دور المسّهل للمصالح الأميركية أيّ أن تكون حلقةً «للامتداد الاقتصادي الأميركي» سيدفع بها إلى آتون الحرب. فإنّ وظيفة البلدان هي ان تكون «المكمل للاقتصاد الأميركي وصناعة الغرب».
وأخطر من ذلك لا بل أبعد من ذلك، ففكرة المنفعة العامة للجميع، لا تعتبرها أميركا بدعة فحسب، بل تصنّفها وتصفها بـ «الشيوعية». لذا كان لا بدّ من اللجوء إلى وضع خطة لإزالة النظام الشيوعي وبنيته، كذلك ينطبق الأمر على كلّ من يتبع النموذج نفسه. والهدف من ذلك هو إعادة مناقشة الاتفاقيات الاقتصادية المنعقدة مع الاتحاد السوفياتي سابقاً على ضوء المنافع الأميركية ومصالحها مع البلدان المتفككة عن الاتحاد أو الاتحاد السوفياتي الجديد.
فمن هنا كانت النفقات العسكرية في ارتفاع متزايد حتى يومنا هذا على حساب الخدمات الاجتماعية العامة بحجة أنّ أميركا في دائرة التهديد المستمرّ أمنياً وعسكرياً وسياسياً. ووضعت أميركا خطة مسار واستراتجية في سبيل احتواء البلدان والحكومات العصية التي ستقف في وجهها وتحول دون تحقيق منافعها. لقد سبق للولايات المتحدة واستخدمت خارطة الطريق هذه سابقاً وأعطت ثمارها. عام 1947، عقب الحرب العالمية الثانية، أنشأت أميركا شبكةً سرّيةً وجهّزتها في خدمة «التجسّس الأميركي». وعيّن رينهارد غيلهين لإدارة تلك الشبكة وهو معروف أنه كان في صفوف النازية وعمل حسب ما صوّر، كما لو أنّه كان متمرّداً على النازية لصالح أميركا. كانت تلك الشبكة تجّند أخطر وأسوأ إرهابيّي الحرب الذين اختبروا كلّ أشكال العنف النازي إبّان الحرب. وهذه الشبكة هي عبارة عن تحالف أميركي ـ نازي يسعى إلى تغيير وجه العالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. شبكة وضعت لتنفذ المهام الموكلة إليها عبر أعضائها الذين كانوا منضوين في صفوف النازية ليستخدموا في كافة أنحاء أميركا اللاتينية وفي أوروبا الشرقية وفي المشرق العربي والشرق الأوسط والشرق الأقصى كما في أماكن أخرى من العالم.
حماية المواد الأولية أولوية أميركية
تسعى أميركا دائماً ومنذ فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى حماية المواد الأولية من خلال سياستها الخارجية. فهي عقيدة أميركية تنفذها كلّ حكومة وتعرف بـ»عقيدة مونرو». أميركا لا تعترف بالدول التابعة خاصة إذ غزيت لأنّ «اندماجهم ليس غاية بحدّ ذاته»، وطبقت تلك العقيدة قبل ثلاثين عاماً من الحرب العالمية الثانية، مع ويلسون وزير خارجية أميركا وقتها، عندما غزت أميركا هاييتي وجمهورية الدومينكان. فزرع الجنود الأميركيون الموت في البلدين وبثّوا الرعب في القلوب كما قضوا بالكامل على أجهزة الدولتين.
بالعودة إلى الخطة الأميركية، لقد رسمت الولايات المتحدة العالم بريشتها الاقتصادية وأطلقت عليها اسم «المنطقة الكبيرة». وتضمّ هذه الأخيرة القطب الغربي وأوروبا الغربية والشرق الأقصى والبلدان التي كانت تابعة للإمبراطورية البريطانية القديمة وموارد الطاقة الفائقة الثمن في الشرق الأوسط والتي انتقلت إلى يد أميركا بعدما كانت في قبضة فرنسا وبريطانيا اللتين طردتا بجهد أميركي جهيد.
وتشدّد أميركا على قيام نظام عالمي جديد كما تخصّص لكلّ منطقة الدور الذي يجب القيام به وفق خطتها.
ـ البلدان الصناعية مثل اليابان وألمانيا كونهما راكمتا الخبرات إباّن الحرب.
ـ أما العالم الثالث، فله دور بارز كونه يحتوي على الموارد الطبيعية. وبالتالي، فعليه يقع عاتق وواجب استقبال الشركات الرأسمالية.
ولكي تكون أميركا بمأمن عن المشاكل من قبل بلدان الاستعمار، وحتى تشعر الأخيرة بنوع من التشجيع السيكولوجي، اقترحت على أوروبا فكرة استغلال القارة الأفريقية. فالعكس هو من سابع المستحيلات.
إخضاع العالم الثالث لدعم الاقتصاد الأميركي
إنّ التبادل الحرّ هو عبارة ظريفة وضعت لتستخدم في الجامعات ولدى رؤساء التحرير والصحف لا أكثر. وتتلقى التجارة الرأسمالية المكثفة الدعم الحكومي مثل الزراعة الرأسمالية كي تفرغ في الخارج منتوجاتها. ويجب إصلاح النظام التقليدي بحيث تكون الطبقة المسيطرة بيد رجال الأعمال، وفي ما يتعلق بالطبقة العاملة، فلا بدّ من أنْ تبقى في حالة انقسام دائم كي تظلّ في وضع ضعيف مزمن. ويقع عبء الإعمار على اليد العاملة والفقراء. لكن العثرة لهذا المشروع تتجلّى في عصيان الجماعة المناهضة المقاومة له. لذا لإبعادها ليس من المستغرب اللجوء إلى أبشع أساليب العنف للقضاء عليها إما عبر تزوير نتائج الانتخابات أو دفع البلاد إلى انقلاب عسكري والإتيان بشخصية متواطئة مع السياسة الأميركية أو الضغط من أجل تأخير وصول المواد الغذائية الضرورية والمنتظرة بفارغ الصبر.
إيطاليا
كانت إيطاليا تتمتع بحركة شعبية كبيرة من العمال والفلاحين وأعضاء الحزب الشيوعي الذين واجهوا وصمدوا إزاء ألمانيا أثناء الحرب. وفور دخول الجنود الأميركيين إلى إيطاليا عمدوا إلى تفريق المقاومة المناهضة للفاشية. ولم يقتصر الأمر على تفريقهم إنما جهّزت أميركا هيكلاً أساسياً لنظام سياسي فاشي بديل للمقاومة. إنّ إيطاليا من أوائل الدول التي ذاقت مرارة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي أي آي» لدى إنشائها عام 1948. واختبرت إيطاليا التخريب والانقلاب الفاشي على يد «سي أي آي» كون إيطاليا وقتها كانت تتحضّر لخوض انتخابات حاسمة، وكانت أميركا تخشى وصول الشيوعية إلى السلطة. ولقطع الطريق عليها لجأت إلى أساليب الفوضى باستعادة الشرطة الفاشية وتفكيك آلية النقابات وتأخير إيصال المواد الغذائية وحجزها.
اليونان
عام 1947، وضعت أميركا يدها على اليونان. ورسّخت حرباً ضروساً، حرباً قتلت 160.000 ألف شخص. هجّر آلاف منهم فيما خضع عدد آخر لغسل الأدمغة وتربية جديدة لإطاعة النموذج الأميركي. لقد فككت هيكلية النقابات بشكل لا يسمح بالعودة إلى نموذج السياسة الاستقلالية للبلد. ونتيجة ذلك الغزو: لقد وقع البلد في أيدي المستثمرين الأميركيين ورجال الأعمال المحليين الموالين للنمط الأميركي والذين لا يظهرون أيّ عداء لهذه السياسة.
فنجاح الخطة في اليونان ساعد على تطبيقها في فيتنام. لقد أقالت أميركا كافة النقابات والقوى الديمقراطية. وسلمّ البلد إلى رجال الأعمال الموالين للفاشية الذين ساعدوا الأميركيين في حربهم ضدّ اليابان.
لقد أزال الجيش الأميركي الحكومة الشعبية المعادية للفاشية في كوريا، كما نظمّ الجيش الأميركي قمعاً قاتلاً مستخدماً الشرطة الفاشية اليابانية والكوريين الذين تعاملوا مع الولايات المتحدة. وحدها قراءة الأرقام تعكس لغة الموت المستخدمة لخدمة الاقتصاد الأميركي. فعلى سبيل المثال ما حصل في جزيرة صغيرة لا أحد يعرفها: جزيرة جيشو Cheju في كوريا حيث تسبّبت ثورة الفلاحين باستشهاد أكثر من 100.000 ألف شخص.
سلسلة من الانقلابات العسكرية ساندتها أميركا فمثلاً في كولومبيا الانقلاب مستوحى من النموذج الذي اتبعه فرانكو في إسبانيا. يليه انقلاب عسكري في فنزويلا وانقلاب عسكري في باناما. وعملت «سي أي آي» عام 1954 لانقلاب عسكري في غواتيمالا والذي حوّل البلد إلى جحيم بكلّ معنى الكلمة.
إعادة تنظيم إرهابيّي الأمس لمهام جديدة بغطاء ديمقراطي
كان من الطبيعي للولايات المتحدة أن تستخدم النازيين السابقين الذين تدرّبوا على كافة الأعمال الإرهابية والعنف. لقد عمل هؤلاء على قمع المقاومة حيثما وجدت. إنّ الأعضاء المنضوين في تلك الشبكة السّرية، وبالطبع بعد إتمام عملية التغيير سواء كان في أشكالهم أم في المستندات، كان يتمّ إرسالهم بطريقة ناعمة سلسة إلى أميركا أو إلى أميركا اللاتينية. ونشطوا في كافة المجالات المحرّمة وغير الشرعية كتجارة المخدرات وبيع الأسلحة بطريقة غير شرعية، أو تدريب الفلاحين في أميركا اللاتينية على إتقان الأعمال الإرهابية وعلى الحرب وعلى أبشع وسائل العنف التي وضعت من قبل البوليس السّري النازي غستابو . لقد أنشئ تحالف بين أميركا وما كان يسمّى «أس أس» وهي الفرقة النازية التي كانت مهمتها الخاصة حماية هتلر شخصياً، ومن بعدها أصبح لها الدور الأكبر في الحرب العالمية الثانية .
الديمقراطية على الطريقة الأميركية
إنّ التهديد الأكبر للولايات المتحدة هو الوطنية التي تناشد به بلدان العالم الثالث وفق ما أكده المخططون لهذا المشروع. «نحن ضدّ الديمقراطية التي لا تسمح لنا بالإمساك بزمام السلطة داخل البلدان». وكلمّا وصل إلى السلطة رعاة الوطنية سيكون مصيرهم العقاب دون أدنى شك.
1 ـ إما عن طريق انقلاب عسكري ووضع على سدة الحكم حكومة تخدم المصالح الاقتصادية الأميركية عبر تسهيل الاستثمارات لرؤؤس الأموال الأميركية الغربية الخاصة.
2 ـ ويرتكز الإنتاج على التصدير حيث تشاء أميركا ويكون لها الحق في استثمار الأرباح خارج البلد المصدر.
وتجري عملية الانقلابات إما بانخراط أميركي مباشر أو من خلال أدوات داخلية تابعة لها وتنفذ السياسة الأميركية كما حصل:
ـ عام 1953 في إيران.
ـ عام 1954 في غواتيمالا وعام 1963 عندما دعم كيندي انقلاباً عسكرياً لإزاحة الخطر المتمثل بعودة الديمقراطية.
ـ في عامي 1963 و1964 في جمهورية الدومينيكان.
ـ عام 1964 في البرازيل.
عام 1973 في الشيلي وفقاً لهنري كيسنجر إنّ تشيلي فيروس قد يضرب المنطقة بالعدوى وقد تصل نتائج العدوى إلى إيطاليا .
ـ عام 1960 في لاوس.
ـ عام 1983 في غرانادا كلّما كان البلد صغيراً كلّما كان الخطر كبيراً .
ـ شبه الجزيرة الهندية الصينية تتحلى تلك المنطقة بثروات طبيعية مهمة فإذا سلك البلد طريق الديمقراطية سيشكل مثلاً لتسير بعده جميع البلدان المتاخمة من اندونيسيا وتايلند وغيرها من بلدان المنطقة وتتبع النموذج نفسه .
ووفقاً للملف، إنّ الطريقة المستخدمة لخدمة المصالح الأميركية تندرج في الاقتتال الوحشي فتصل إلى أبشع درجات العذاب:
1ـ كرمي الأطفال على الصخور.
2ـ أخذ المرأة بقدميها بعد قطع ثدييها وسلخ جلدة وجهها كي تنزف حتى الموت.
3ـ قطع رؤؤس الناس وغرسها على أوتاد.
إنّ الوسائل التي استخدمت في نيكاراغوا مع القوات الموالية لأميركا والمعادية للمقاومة les contras نفسها استخدمت في السلفادور وفي غواتيمالا، أيّ حرب عن طريق العملاء بالوكالة، فالطريقة نفسها تستخدم في كلّ بقعة من الأرض تناهض وتعارض السياسة الأميركية المهيمنة. واليوم النموذج نفسه ينفذ في سورية وليبيا واليمن والعراق وإيران وغيرها من دول العالم.
تذكير: إنّ مفهوم الديمقراطية لأميركا يتمثل بالاستقرار السياسي العالمي والأمني للطبقة العليا وللشركات العالمية.










Discussion about this post