الدكتور حسن مرهج
لم تكن مخرجات مؤتمر سوتشي الذي جمع بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين و التركي رجب طيب أردوغان، بعيدة عن القرار السوري في التريث باعتماد الحسم العسكري حلاً لتخليص إدلب من الإرهاب، بل أن التريث الذي اعتمده الجيش السوري جاء ضمن استراتيجية سورية روسية، من أجل كبح الاستنفار الدولي تجاه ادلب، لا سيما مع الادعاءات الامريكية التي تمحورت حول نية الجيش السوري استخدام السلاح الكيماوي ضد المدنيين، بالتوازي مع التقارير التي كشفت عن نقل الفصائل الارهابية لعبوات تحوي مواد كيماوية من تركيا و باتجاه مناطق سيطرة الفصائل الارهابية، صحيح أن تأجيل الحسم العسكري جاء لإعطاء مساحة لتفعيل الخيار السلمي، لكن هذا التأجيل لم يكن إطلاقا مؤشر ضعف أو عدم القدرة على الحسم العسكري، فالمتابع لتطورات ملف ادلب يدرك تماما بأن القوات السورية و حلفاؤها كانت جاهزة للبدء بالعمل العسكري، و قد وضعت كافة الاحتمالات و الخطط التي تجعل من الحسم الميداني لصالح الجيش السوري و حلفاؤه مؤكداً.
كما ذكرنا بأن الحل العسكري جاء وفق استراتيجية اعتمدتها الدولة السورية و حلفاؤها، و بناء على نتائج قمة سوتشي فقد تم الاتفاق على أن تركيا ستتعهد بسحب الفصائل الارهابية و أسلحتها الثقيلة من المنطقة التي تم الاتفاق عليها، و تمت تسميتها المنطقة منزوعة السلاح، و ذلك وفق جدول زمني محدد، لكن تركيا على ما يبدو و كرؤية أولية لم تقم بالالتزام فعيلا بما تم الاتفاق عليه، و الواضح أيضا أن تركيا تناور مجددا و تحاول التملص من تعهداتها، و هذا ليس غريبا على السياسة الخبيثة التي يعتمدها رئيس النظام التركي أردوغان، ففي الوقت الذي تحاول به تركيا التريث في تنفيذ ما تعهد به، برزت ملفات اقليمية و دولية مستجدة، لا سيما مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في تركيا، من هنا بدأت تركيا تناور في انتظار إعادة بلورة علاقتها مع واشنطن، و تسارعت الأحداث بين العقوبات الاقتصادية على تركيا و اطلاق سراح القس الأمريكي برنسون، حيث نفذ الأمر، وكان أن صرح أردوغان: “بأنه لن يطلق سراحه”، هذا بحد ذاته موضع تساؤل لدى الأتراك أنفسهم، أما فيما يخص الملف الثقيل لقضية الصحفي خاشقجي، فالحصة ستكون كبيرة إذا ما تلاءمت الروايتان السعودية والتركية، وكانت النتيجة كما يشتهي “ترامب”، فهي ملفات ستحاول تركيا ربطها بملف إدلب، إضافة إلى إعادة تصويب الاتفاق مع واشنطن حول إخراج الأكراد من مدينة منبج.
من الواضح أن الروس غير منزعجين من تأخير تطبيق اتفاق ادلب، فـ المدة المحددة لانسحاب الفصائل الارهابية من المنطقة المنزوعة السلاح قد انتهت، و عليه قد يتبادر إلى ذهن المتابع السؤال عن المصلحة الروسية في دعم التأخير التركي في تنفيذ الاتفاق، و باعتقادنا بأن الجواب واضح، و هو يتمحور حول التكتيك الروسي في مواجهة واشنطن بالاعتماد الجزئي على تركيا، و هذا امر طبيعي إذا ما نظرنا إلى مصالح الأطراف في سوريا، فـ روسيا و عدم انزعاجها من المماطلة التركية في تنفيذ الاتفاق، تحاول أن تكسب نقاطا سياسية و ميدانية ضد الأمريكي و تواجده في شرق سوريا، ففي الموضوع الكردي لا بأس من اعطاء التركي ما يريد مؤقتا لفك الارتباط مع الامريكي، و في هذه الخطوة يتم نزع ورقة هامة من يد الأمريكي، و في المقابل ايضا هذا يتناسب مع سياسة الدولة السورية، و بالتالي يمكننا القول بأن أي اتفاق روسي تركي هو اتفاق مؤقت و سيصب في نهاية المطاف في صالح الدولة السورية.
و استكمالا لمشروع أردوغان و الذي سيصطدم بإرادة الدولة السورية، قال أردوغان إن بلاده عازمة على اتخاذ خطوة مهمة شرق الفرات شمالي سوريا، و ستكون على غرار ما حصل في مناطق درع الفرات وغصن الزيتون، و لكن على ما يبدو بأن أردوغان لم يقرأ طبيعة التحالفات الجديدة التي فرضتها المسارات المستجدة سياسيا و عسكريا، حيث أن مخرجات سوتشي سيكون لها تأثيراً في عمق الجغرافية السورية، و لن يكون لأردوغان أي هامش يمكن من خلاله فرض اجندته، فالاتفاق بين بوتين و أردوغان واضح لجهة مرحلة ما بعد ادلب، و المُنجز السياسي إن لم يتم سيكون للخيار العسكري الكلمة الفصل، و عليه لن يتمكن أردوغان من المناورة لجهة فرض أي واقع سياسي جديد في شرق الفرات، و هذا الواقع الذي فرضه اتفاق سوتشي ينسحب أيضا على الأمريكي و قواعده، لأنه بالمنطق العسكري باتت واشنطن و أنقرة تدركان أن الجغرافية السورية و أي تواجد بها سيكون مؤقت.
في المقلب الأخر، و تحديدا من الناحية العسكرية الميدانية، لا شك بأن سوريا و روسيا يدركون تماما بأن الفصائل الارهابية المتشددة ستُحرج التركي، و سترفض الخروج من المنطقة منزوعة السلاح، و هذه المعطيات ستبقى في يد الدولة السورية و حلفاؤها، ما يعني أن هذه المعطيات ستكون مشجعة للقيام بعملية عسكرية ضد الفصائل الارهابية في ادلب، و انطلاقا من الموقف الروسي الداعم للدولة السورية، سيكون للطيران الروسي مهمة استهدف قيادات الصفوف الاولى من الارهابيين، و من الناحية الاستراتيجية فلا يمكن للروسي ان يعتمد على التركي و الذي لا يبتعد بسياساته عن الامريكي، و عليه يمكننا القول بأن سوريا و روسيا سيكونان في بُعدٍ عسكري و سياسي مشترك، فأي عملية عسكرية لن تكون فقط ضد الفصائل الارهابية، بل ستكون ايضا ضد التواجد التركي و الامريكي الغير شرعي في الجغرافية السورية، و من هذا المنطلق نستذكر قول الرئيس السوري بشار الأسد “منذ بداية الحرب، حينما سيطر الإرهابيون على بعض المناطق في سوريا، أكدنا بوضوح أن واجبنا كحكومة يكمن في تحرير كل شبر من الأرض السورية”، كما أكد الأسد “الآن هدفنا هو إدلب، لكن ليست إدلب وحدها، وهناك بالطبع أراض في شرق سوريا تسيطر عليها جماعات متنوعة”.
إذا الهدف واضح، سوريا ستكون خالية من الارهاب و من التواجد الغير شرعي لأي قوات اجنبية، شاء من شاء و ابى من أبى.











Discussion about this post