مبدأ العدالة ظل مفقودا, ولا يزال في العلاقات الدولية, للأسف, فإن غالبية دول العالم تقف مع الطرف القوي (الدولة القوية) دون مراعاة لمبادئ القانون والشرعية الدولية. الولايات المتحدة في عهد الرئيس ترامب هي التي انسحبت من الاتفاق الدولي الذي أبرمته دول (5+1) مع إيران عام 2015. وباعتراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية (مثلما نشرت وكالات الأنباء والصحف العالمية والعربية في أوقات مختلفة), فإن إيران التزمت التزاما كاملا بالاتفاق, ولم يُسجّل عليها أي خرق في هذه المسألة. بصراحة, فإن الولايات المتحدة ليست دولة عادية عندما تخرج من أي اتفاق والتزامها به يحدد مسيرته. ترامب من جانبه, دائم التهديد لإيران, كما حليفته الإسرائيلية. ولقد أرسلت واشنطن حاملات طائراتها إلى المنطقة, بمعنى أنها على استعداد لشن حرب, بغض النظر عن نتائجها وتداعياتها السلبية على المنطقة بأسرها وعلى العالم. الحق الطبيعي لإيران (أو لمطلق دولة في موقعها) أن لا تلتزم بالاتفاق بعد الخروج والتهديد الأميركي بمسحها عن الخريطة. أيضا, ومن حقها أن تستمر في تخصيب اليورانيوم, وهي تؤكد صباح مساء, أن مشروعها النووي هو مخصص للأغراض السلمية. السؤال هو: لماذا لا يجري الحديث وتوجيه اللوم إلى إسرائيل, التي تمتلك وفقا لمصادر عديدة (بمن فيها مصادر عسكرية أميركية) أكثر من 200 قنبلة نووية؟ وإسرائيل هي التي تشنّ الحروب على الفلسطينيين والدول العربية, أم أن ما يجوز لإسرائيل لا يجوز لغيرها من دول العالم؟! إنه المنطق الاستعماري البحت وسياسة الكيل بمكيالين!
نعم, وفقا لما تنشره الصحف العربية يوميا (وبضمنها العزيزة “الوطن”), أعلن الرئیس الأمیركي دونالد ترامب مؤخرا: أن العقوبات ضد إیران ستتضاعف قریبا, لتجاوزها الحد المتفق علیه بتخصیب الیورانیوم. لقد غرّد الرئيس ترامب على “تویتر” قائلا “إیران كانت تقوم بالتخصیب سرا لفترة طویلة في انتهاك تام للصفقة المروعة بقیمة 150 ملیار دولار, التي أبرمتها إدارة الرئیس الأسبق أوباما معها من خلال وزیر خارجیته جون كیري”, وأشار إلى أنه “سیتم قریبا زیادة العقوبات على إيران إلى حد كبیر”! وفي بیان مشترك جرى نشره في وكالات الأنباء والصحف (وفقا لصحيفة “الغد” الأردنية) دعت برلین ولندن وباریس ودول الاتحاد الأوروبي, إيران “إلى الكف فورا عن القيام بأنشطة تخصيب اليورانيوم, والامتثال بالكامل ودون تأخیر لشروط الاتفاقیة الدولية معها”. من ناحیتها أرسلت فرنسا المستشار الدبلوماسي للرئیس الفرنسي إیمانویل ماكرون إلى طهران, حیث أجرى عدة لقاءات مع مسؤولین إیرانیین لذات الهدف, والتقى الرئيس الفرنسي إیمانویل ماكرون قبل أيام الرئیس الإیراني حسن روحاني في طهران في إطار المساعي لتخفیف التوتر بین الجمهوریة الإسلامیة وواشنطن. بالنسبة لهذا الموقف, فالمطالبة أولى أن توجه إلى واشنطن للعودة إلى الاتفاق النووي, والكف عن تهديد إيران, وأن لا تنصبّ الضغوط فقط على طهران!
ووفقا للناطق الرسمي الإيراني “فإن إيران تركت دوما الباب مفتوحا للدبلوماسیة والحوار”, وأن هدفها لا یزال “التطبیق الكامل للاتفاق, وأنها تنتظر من الأطراف الأخرى الوفاء بالتزاماتها بشكل كامل”. ووفق وكالة “فرانس برس” فإن إیمانویل بون (المبعوث الفرنسي) عقد اجتماعا مع الأمیرال علي شمخاني أمین المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني, ووزیر الخارجیة محمد جواد ظریف ونائبه عباس عراقجي. وكان وزیر الخارجیة الفرنسي جان إیف لودریان قد صرّح قبل أيام قائلا: إن مهمة المستشار الفرنسي تكمن في محاولة فتح مساحة النقاش, لتجنب أي تصعید لا یمكن السیطرة علیه, ولتجنب وقوع حادث, في حین يهدد التوتر بین طهران وواشنطن بجر منطقة الخلیج إلى الاشتعال”. وقالت سكرتیرة الدولة الفرنسیة للشؤون الأوروبیة امیلي دو مونشالان: “نحاول العمل لجعل المثلث أوروبا الولایات المتحدة إیران مثلثا للحوار”. من جهته قال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف قبيل اللقاء مع بون “لا یمكن إجراء أي مفاوضات تحت الضغط”, داعیا الأوروبیین إلى حل المشكلة التي نجمت عن خروج الولایات المتحدة نفسها من الاتفاق النووي الموقع في 2015 في فیینا.
من جانبهما, سخرت كل من موسكو وطهران أمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية, من مطالبة الولايات المتحدة لإيران بالتزام الاتفاق النووي, مع العلم أن واشنطن انسحبت بشكل أحادي منه. ولقد عقد حكام هذه الوكالة اجتماعا استثنائيا في فيينا بناء على طلب الولايات المتحدة لمناقشة ما أسمته بـ”خرق” إيران لهذا الاتفاق. وصدر البيان الآنف الذكر عن سفراء المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا لدى الوكالة الذي وكما ذكرنا, دعا إيران “إلى التقيد الكامل بالتزاماتها, في حين اتهمت السفيرة الأميركية لدى الوكالة جاكي وولكوت طهران بالقيام ما أسمته بـ”ابتزاز نووي”. من جهته قال السفير الإيراني لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية كاظم غريب أبادي “من سخريات القدر أن يعقد هذا الاجتماع بناء على طلب الولايات المتحدة, مع العلم أنها هي التي تتحمل مسؤولية الوضع الحالي”. وفي السياق نفسه وصف السفير الروسي ميخائيل أوليانوف الموقف الأميركي بـ”الفظيع” ساخرا من “الوعي الأميركي لأهمية الاتفاق”, مضيفا: “ندعو جميع أعضاء مجلس الحكام إلى إدانة هذه السياسة الأميركية الهدامة بشكل حازم, وأن على الولايات المتحدة قبل كل شيء التخلي عن محاولاتها فرض حظر نفطي على طهران”. أرأيتم العدالة الأوروبية؟
د فايز رشيد – الوطن العمانية











