لم يكن بدء صدور الصحف في الأراضي العربية أمرًا مستحَبًّا لدى الباب العالي، كما لم يكن انتشار المطابع شيئًا محمودًا، فالاستبداد العثماني رأى في شيوع الكتابة والثقافة وتبادل الآراء بابًا واسعًا للمنغصات والقلق والخوف، ولهذا حرص السلطان وبطانته وولاته ورجالهم على مواجهتها مبكرًا بالكثير من العوائق والتعسف والإرهاب.
العثمانيون وضعوا تشريعات صارمة بهدف التشديد والتضييق على الصحف منذ الأيام الأولى لنشرها، وغالبا ما كانت الصحف تغلق بعد أشهر من صدورها، وأحيانا بعد أيام، بسبب آرائها التنويرية، أو تفرض عليها رسوم وغرامات تثقل كاهلها فتغلق من تلقاء نفسها.
التشريعات العزيزية
السلطان عبد العزيز سار على نهج أخيه عبد
المجيد الأول، وأصدر عدة تشريعات هدفها التأكيد على نصوص قانون الصحافة
الصادر في يناير 1857، لكنه أضاف عشرات المواد التي تضيق الحريات على أقلام
الصحافيين والكتاب، لاسيما الصحف العربية، التي انتشرت في ولاية سورية،
وكانت الصحف الشامية ملتزمة بالقواعد الصارمة التي وضعها عبد المجيد الأول،
حتى أصدر عبد العزيز قانون الصحافة الجديد في 1 يناير 1865.
تشريع الصحافة نص على أنه لا تطبع جريدة أو صحيفة في الممالك العثمانية من دون تصريح أو ترخيص من الدولة، وتقوم ناظر المعارف العمومية (وزارة التربية والتعليم) بمنح التصاريح لرعايا الدولة العثمانية، أما الأجانب فتصدرها لهم وزارة الخارجية، وكل هذه التصاريح متوقفة في الأساس على موافقة ناظر الداخلية.
عبد العزيز حمل صاحب الجريدة المسؤولية القانونية والجنائية عن كل كلمة وردت على صفحات جريدته، بعد أن جعله خاضعا لرقابة مدير المطبوعات العمومية بوزارة المعارف، ونصت المادة 4 من قانون الصحافة على إلزام صاحب الجريدة بإرسال نسخة مطبوعة من الصحيفة قبل طبع باقي النسخ، على أن يتولى الرقيب تنقيحها بما يتوافق مع الآداب العامة، وكانت تلك المادة هي الثغرة التي استغلها الرقيب للعبث بمقالات المعارضين للحكم العثماني.
المادة 14 و15 من قانون الصحافة ألزمت أصحاب الصحف بدفع غرامة مالية قدرها 100 ليرة أو الحبس لمدة ثلاثة أعوام إذا وردت كلمات أو عبارات فيها نقد بسياسات سلاطين آل عثمان، كما نصت على دفع غرامة مالية قدرها 25 ليرة أو الحبس لمدة ثلاثة أشهر إذا خاضوا في أمور تتعلق بسياسات الوزراء.
العلاقات الخارجية كان لها نصيب من حظر النشر في عهد عبد العزيز، إذ نصت المادة 21 على أنه لا يجوز الخوض في علاقة الدولة العثمانية بالدول الأجنبية، لاسيما بعد الهزائم المتتالية لجيوش السلطنة أمام روسيا، وقضت المادة بتغريم صاحب الجريدة مبلغ 30 ليرة أو الحبس لمدة 8 أشهر.
السلطان عبد العزيز اعتبر قانون الصحافة الصادر في 1 يناير 1865 غير كافٍ لتكميم الأفواه وقمع أقلام الصحافيين، لذلك كلف الصدر الأعظم علي باشا بإصدار تعديل على قانون الصحافة يمنح السلطان والصدر الأعظم والولاة سلطات استثنائية على الصحف.
علي باشا أصدر “وثيقة الصحافة العزيزية” في 12 مايو 1867، والتي جاء فيها “إن الباب العالي يحتفظ لنفسه بحق التصرف بطريق إداري، ومستقل عن سلطة القانون، تصرفا يجريه على الصحافة المتداولة وضد الصحف التي ترفض المبادئ التي يجب عليها أن تستوحيها، وللوالي الحق في إغلاق الصحف دون إبداء الأسباب القانونية”.

القبضة الحميدية
الاستبداد العثماني تجسد في شخص السلطان عبد
الحميد الثاني، والذي أعلن غضبه على التشريعات التي أصدرها والده عبد
المجيد الأول وعمه عبد العزيز، واعتبر أن الصحافة خطر على الرعية، لما
تنشره من أخبار وأفكار قد تدعو الرعية للثورة على الاحتلال التركي، لاسيما
تلك الأخبار المتعلقة بالتقدم العلمي والتطور العمراني في الدول الأوروبية.
عبد الحميد اعتبر الصحافة خطرا على مستقبل التواجد العثماني في البلاد العربية، خاصة بعد انتشار أفكار القومية والاستقلال في الشام، على يد الجمعيات القومية السرية، والتي اتخذت من الصحف أداة لفضح المحتل التركي، لذلك اعتبرها عبد الحميد “أداة لبلبلة الأفكار وعاملاً من عوامل الاضطراب وإفساد الأمن في الولايات العربية خاصة البلاد الشامية”.
شهد عام 1877 إصدار قانون الرقابة على المطبوعات والصحف، وهو القانون الذي دشن منظومة “المكتوبجي”، وهو أحد ضباط جهاز الاستخبارات الحميدية، وكانت مهمته الرقابة على كل كلمة يتم طباعتها على صفحات الجرائد والصحف وحتى الكتب، ويتولى المكتوبجي ملاحقة أصحاب الصحف والصحافيين ذاتهم في الولايات، إذا خالفوا قائمة المحظورات العثمانية.
قانون المطبوعات الحميدي نص على أنه يحظر على الصحف الاهتمام بالمسائل السياسية أو تصرفات السلطان، ويمنع الحديث عن السياسات الإدارية بالولايات وتصرفات الموظفين، كما ألزم الصحف بضرورة أن تدعو للسلطان وأن تمدحه على صفحاتها في كل إصدار من أعدادها.
التشريع الحميدي نص على التزام الصحف بنشر المقالات والأخبار التي ترسلها حكومة إسطنبول أو الولاة دون تدخل في نصها، وهي مقالات كتبتها أقلام تركية مأجورة تتحدث الفرحة والسعادة التي تغمر رعايا الولايات العربية في ظل الدولة العثمانية، كما نص القانون على حظر عدة كلمات من التداول على صفحات الجرائد، وشملت قائمة الممنوعات الكلمات مثل: الأحزاب، القومية، الاستقلال، الثورة، الانقلاب، الجمهورية، الدستور، الحرية، العدالة، الوطن، المساواة.
عبد الحميد لم يكتف بسلسلة القيود التي فرضها على الصحف بالسلطنة، بل اتبعها بإجراءات تعسفية ضد الصحف المعارضة، لاسيما بالولايات العربية، فأغلق العديد من الصحف الشامية القومية، وفي المقابل أوعز للولاة الأتراك بإصدار صحف موالية لتكون أبواقا للعثمانيين وأنصار التتريك، كما أصدر أحكاما بالسجن والنفي بحق عشرات الصحافيين العرب، مما دفع بعضهم للهجرة إلى مصر، حيث أصدروا صحفا فضحوا فيها الاستبداد الحميدي.
وتحت الضغط الشعبي أصدر عبد الحميد “المشروطية الأولى” (الدستور العثماني الأول)، وعلى أساسها تم انتخاب مجلس المبعوثان (البرلمان العثماني) في مارس 1877، وبات على السلطان تقديم قانون الصحف للمناقشة في البرلمان، وبناء عليه تم تشكيل لجنة برلمانية مهمتها إعداد تقرير حول قانون المطبوعات، وتشكلت اللجنة برئاسة الصدر الأعظم وعضوية 11 نائبا تركيا، وبعد شهر من العمل رفعت اللجنة تقريرها إلى السلطان الذي أحالها بدوره للعرض على البرلمان في 21 أبريل 1877.
اللجنة البرلمانية لم تُبدِ أي تعليق على قانون المطبوعات، مما أثار غضب النواب العرب، والذين أعلنوا رفضهم لمواد القانون، وفي كلمته أمام البرلمان قال النائب السوري “الحاج حسين” إن لائحة المطبوعات لا تحمل سوى العقوبات، لأن بها 29 مادة من مجموع 35 مادة مخصصة للعقوبات فقط، أما المواد الست الباقية فهي التزامات مالية على أصحاب الصحف.
لم يستمر مجلس المبعوثان طويلا، إذ أصدر عبد الحميد فرمانا يقضي بحل البرلمان وإلغاء الدستور في فبراير 1878، إلا أن قانون المطبوعات ظل ساريا على الصحف والجرائد، ولم يكن ذلك حفاظا على حقوق الصحف، بل تكريسًا للقبضة الحديدية على المطبوعات، وهي المهمة التي أداها المكتوبجي بمهارة.
صحافة الاتحاديين
القبضة الحديدية للسلطان عبد الحميد على
الصحف والحريات فشلت في إزالة شبح الانقلاب عن قصر يلدز، إذ نجحت جمعية
الاتحاد والترقي في الزحف بجيوش جرارة من سالونيك إلى إسطنبول في عام 1908،
واستولت على السلطة، وأجبروا السلطان على إصدار المشروطية الثانية
(الدستور العثماني)، وتم دعوة الناخبين للإدلاء بأصواتهم لاختيار نواب مجلس
المبعوثان الجديد.
جمعية الاتحاد والترقي قامت بأكبر عملية تزوير للانتخابات البرلمانية، وللتغطية على جريمتها صادرت أعداد الصحف اليومية التي نشرت حوادث التزوير، كما أجبرت الصحف الأسبوعية على تجاوز أحداث يوم الاقتراع والاقتصار على الاحتفال بانتصار الاتحاديين بالأغلبية الساحقة.
حكومة الاتحاد والترقي خلعت عبد الحميد الثاني من العرش، وعينت مكانه محمد رشاد الخامس، وسار الاتحاديون على نهج سلاطين آل عثمان في قمع الصحافة، وفي سبيل ذلك أصدروا قانونا للصحافة في عام 1909، والذي قمع الصحف على أساس عرقي، فقد منح امتيازات كبيرة لصحف القوميين الأتراك، وفي المقابل وضع محاذير كثيرة أمام الصحافيين القوميين العرب.
تشريع الصحافة
في نسخته الطورانية تضمن 37 مادة رئيسة، ومادة مؤقتة واحدة، جاءت في أربعة
فصول، وتحت عناوين “كيفية النشر والعقوبات والقدح والإهانة ومواد متفرقة”
نص القانون على أن “كل من يريد نشر جريدة أو نشرة يومية أو غير يومية أن
يرفع إلى نظارة الداخلية تصريحا مخطوطا موقعا باسمه واسم المدير المسؤول في
إسطنبول، وإلى الولاة والمتصرفين في الولايات، يتضمن عنوان المطبوع، ومحل
نشره ونوعه وأوقات صدوره واللغة التي يصدر بها”.
أحكام العقوبات على أصحاب الصحف والصحافيين شغلت الجزء الأكبر من نصوص قانون الصحف، إذ شكلت 16 مادة، وتتضمن ما هو محظور نشره، وما هو مسموح به، وألزمت المادة الثامنة صاحب الجريدة “بإرسال نسختين من كل عدد وفي يوم الطبع إلى أكبر مسؤول إداري ينتمي إلى نظارة الداخلية، وإلى المدعي العمومي، وفرضت غرامة قدرها 20 ليرة عثمانية على كل عدد لا يتم إرساله”.
المادة 23 من قانون المطبوعات منحت حكومة الاتحاد والترقي حصانة استثنائية، على غرار ما كان متبعا من منع تداول أي أخبار عن السلطان وعائلته، وهو القانون المعروف بالعيب في الذات السلطانية، لكن قانون المطبوعات لعام 1909 نص على حصانة أعضاء جمعية الاتحاد والترقي ضد القدح والنقد، وشملت مادة الحصانة كل أفراد الحكومة والبرلمان والولاة الاتحاديين.










