أدت موجة القومية التي اجتاحت تركيا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016 إلى زيادة المشاريع القومية التي تتراوح من إنتاج دبابة محلية إلى حملة توظيف وطنية. ومن بين أكثر المشاريع المنتظرة كان مشروع تصميم وإنتاج أول سيارة محلية في تركيا.
لكن في حين بدأ هذا المشروع الرائد، يبدو أن صفقة جديدة مع شركة فولكس فاغن الألمانية العملاقة لصناعة السيارات، سيمثل منافسة غير متوقعة للمشروع.
ففي عام 2017، أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان أنه يبحث عن خمس شركات كبرى لتتولى مسؤولية مشروع السيارات المحلية، وفي نوفمبر من ذلك العام تم تقديم الشركات الخمس للجمهور.
وتشمل الشركات شركة بي إم سي لصناعة السيارات وشركة الأناضول إندستري القابضة وشركة كيراجا القابضة وشركة تركسل وشركة زورلو القابضة، وجميع هذه الشركات لها ملاك راسخون يتمتعون بمحاباة حزب العدالة والتنمية الحاكم.
وتشكل مجموعة الشركات الخمس مجموعة شركات السيارات التركية المشتركة، وهي الشركة التي تم تشكيلها لتطوير السيارة الوطنية.
يقوم بتنسيق المشروع رفعت هيسارجيكلي أوغلو، رئيس اتحاد الغرف والبورصات في تركيا، الذي يستحوذ على خمسة في المئة من شركة السيارات الوطنية.
وتم توزيع الحصص الخمس الأخرى التي يضم كل منها نسبة 19 في المئة من أسهم مجموعة شركات السيارات التركية المشتركة على الشركات الخمس المشاركة.
وأعلن وزير الصناعة والتكنولوجيا مصطفى ورانك في شهر مايو عن مواصفات السيارة التي قال إنها ستكون كهربائية يمكنها أن تقطع مسافة 500 كيلومتر. وقال ورانك إن النموذج الأولي سيتم إنشاؤه في عام 2019، وسيبدأ إنتاج السيارة في النصف الثاني من عام 2021 وستصبح متاحة للبيع التجاري في عام 2022.
وقال غوركان كاراكاش المدير التنفيذي لمجموعة شركات السيارات التركية المشتركة إن من المقرر طرح ثلاثة طرز مختلفة وإنه حتى الآن تم طلب 30 ألف وحدة من السيارة. ومن المقرر أن تبدأ صادرات السيارة في عام 2024.
وتواصلت مجموعة شركات السيارات التركية مع 62 شركة لتصنيع قطع الغيار لضمان إنتاج جميع المكونات في تركيا، وقال كاراكاش إن عدداً من هذه الشركات اشترك بالفعل في المشروع.
وأشارت تقارير إلى أن المشروع، الذي يُعتقد أنه يحتاج إلى استثمارات بقيمة أربعة مليارات دولار حتى يكتمل، يواجه صعوبات جمة تحت وطأة الأزمة الاقتصادية الحالية في تركيا، والتي يُعتقد أنها رفعت النفقات بسبب ضعف الليرة.
وتعتقد بعض المصادر أن الحكومة ستتدخل على الأرجح لتقديم حوافز فائقة للمشروع مثل الإعفاءات الضريبية الضخمة والمساعدات الممنوحة للمشاريع التي تعتبر لها أهمية استراتيجية.
من ناحية أخرى، فإن نبأ الأسبوع الماضي الذي يفيد بأن شركة فولكس فاغن قد اختارت تركيا بدلاً من بلغاريا لبناء مصنع جديد يعني أن السيارة الأصلية ستواجه بالفعل منافسة شديدة من شركة سيارات ألمانية عملاقة.
فقد ذكرت قناة أيه آر دي الألمانية أن حكومة أردوغان قد عرضت على فولكس فاغن حوافز مربحة للغاية من جانبها، بما في ذلك المساعدات والإعفاءات الضريبية، لتأمين استثمارات الشركة، وذهبت إلى حد قول إنه وضع اسمه شخصياً كضامن.
وتقول مصادر في برلين وأنقرة إن المصنع سينتج سيارات فولكس فاغن من طراز باسات، وكذلك بعض الطرز من فرع سكودا التشيكي وفرع سيات الإسباني.
وذكرت التقارير أن عدداً كبيراً من طرازات باسات الفاخرة المزمع إنتاجها ستذهب إلى المؤسسات العامة التركية التي عادة ما تستخدم سيارات فولكس فاغن وأودي.
وفي حين تناقش دوائر أنقرة ما أشيع عن تدخل أردوغان الشخصي في الصفقة، والقائمة الطويلة من التنازلات التي قيل إنه قدمها للشركة الألمانية مقابل إنشاء المصنع، توضح هذه الحلقة العلاقة الوثيقة لكن المعقدة بين تركيا وأوروبا.
كانت ألمانيا ودول الاتحاد الأوروبي الأخرى شديدة في انتقاداتها لوضع حكم القانون في تركيا واستقلال القضاء والحقوق والحريات الأساسية في السنوات الأخيرة، وقد تفاقمت هذه الأوضاع بسبب سجن مواطنين ألمان في اتهامات تتعلق بالإرهاب، بمن فيهم الصحفيان دنيز يوسيل وميسال تولو، والناشط في مجال حقوق الإنسان بيتر شتاودنر.
وقد أدت هذه التطورات إلى قيام حكومة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بتعليق مبيعات الأسلحة إلى تركيا وتجميد ضمانات ائتمان تصدير هيرميس المدعومة من الحكومة وإصدار تحذير للمواطنين الألمان بأنهم قد يتعرضون للاعتقال التعسفي في تركيا.
ولم يتراجع الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير عن انتقاداته لأفعال الرئيس التركي المناهضة للديمقراطية عندما قام بزيارة دولة لأردوغان في سبتمبر الماضي. ورفعت تلك الزيارة التوتر إلى مستويات أعلى.
هذا هو السبب في أن القدرة على جذب استثمار بقيمة 3.5 مليار يورو من شركة أوروبية عملاقة مثل فولكس فاغن كان ينظر إليه على أنه مسألة حاسمة من شأنها أن تساعد على إخفاء التصور السلبي لأردوغان وتركيا على الساحة الدولية.
وتشير تقارير إلى أن الحوافز المقدمة لفولكس فاغن لتحقيق ما تصفه تركيا بأنه “استثمار استراتيجي” تشمل مساعدات من خلال الإعفاءات الجمركية والإعفاءات من ضريبة القيمة المضافة على جميع المكونات وكذلك الإعفاءات الضريبية الأخرى وتوفير الأراضي العامة للمصنع مجاناً.
علاوة على ذلك، قد تأتي بعض الحوافز حتى قبل توقيع الصفقة رسمياً في سبتمبر أو أكتوبر: ثمة شائعات تشير إلى أن شركة فولكس فاغن طلبت خصماً على الضريبة الضخمة المدفوعة في تركيا على السيارات، والتي تصل إلى حوالي نصف السعر الكامل.
وتعد أوروبا أكبر سوق لصناعة السيارات في تركيا، إذ تبلغ مبيعاتها السنوية الدولية 35 مليار دولار، وهي محرك لاقتصاد تركيا المعتمد على التصدير.
وقد تقلصت مبيعات السيارات في تركيا بنسبة 43.31 في المئة خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2019 إلى 156378 سيارة مقارنة ببيع 275870 سيارة خلال نفس الفترة من العام السابق.
ومن بين 156378 سيارة، تمت صناعة 68193 سيارة في تركيا، في حين تم استيراد 88185 سيارة، وهو ما يمثل انخفاضاً في عدد السيارات المستوردة من 66 في المئة إلى 56 في المئة من الإجمالي. تمت صناعة ما يزيد قليلاً عن 15000 سيارة من فولكس فاغن – صاحبة أكبر حصة من السيارات المستوردة التي يتم بيعها في البلاد.
وبالتالي، من المتوقع أن تتضاعف حصة فولكس فاغن في السوق بعد إنشاء المصنع. وإذا أعطت الحكومة ضماناً بأنها ستشتري سيارات حكومية من فولكس فاغن، فقد تصبح الشركة الألمانية العملاقة رائدة السوق في تركيا بسهولة.
وبالنظر إلى جميع المزايا والحوافز التي وُعدت بها شركة فولكس فاغن، فبحلول الوقت الذي تصبح فيه السيارات الوطنية التركية متاحة في عام 2022، قد يكون من النادر العثور على عملاء للمشروع الوطني الرائد.










