في عام 2005، تم عرض مسلسل “نور” التركي، من بطولة سونغل أودن، والتي أدت شخصية “نور”، وكيفانش تاتليتوغ، الذي أدى دور “مهند”.. الطبيعة الرومانسية للمسلسل، أكسبته نجاحًا خاصًا، فلربما لأول مرة تدخل البيوت العربية، نوعية كهذه من الدراما، لذلك حُظي بمتابعة ليست قليلة، ما حدا بصانعيه أن يستغلوا الأمر، ويصوروا بطله على أنه “جان”، وصاحب شعبية كبيرة بين النساء في العالم العربي، رغم أن الإعجاب كان للنوعية الجديدة التي طرأت على الدراما، ولم يتعوّد عليها العرب بعد، حتى طُرح سؤالا حينها، لماذا الإصرار على ذلك، ومحاولة إظهار “مهند” على أنه “فتى الأحلام”؟
الإجابة جاءت سريعًا، فالمتتبع للسينما العربية والمصرية على وجه الخصوص، سيجد أن البطل المصري الكبير فريد شوقي “وحش الشاشة”، سبق وأسر قلوب التركيات على مدار عِقدين من الزمان، في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، بعد أن قدم مجموعة من الأفلام إنتاجها مشترك بين مصر وتركيا، حققت نجاحا ساحقا في دور العرض التركية. واحتفظ الجمهور التركي من خلالها بصورة ملونة عن “وحش الشاشة”، فارع الطول ذو البنية القوية، والذي يتغلب على خصومه من الأشرار بيد من حديد.
بدايات وحش الشاشة
فريد شوقي وبلا شك، يعد من أشهر وأهم
الممثلين في تاريخ السينما المصرية والعربية. ولد في 1 يوليو من العام 1921
بحي السيدة زينب بالقاهرة، لأسرة تختلط فيها الدماء المصرية بالتركية.
وكان أبوه “محمد عبده شوقي” وطنيا، شارك بفاعلية في أحداث ثورة 1919، حتى
لقبه الزعيم سعد زغلول بـ “بلبل السيدة زينب”، نتيجة لقدرته الممتازة على
الخَطابة.

حصل فريد شوقي على دبلوم مدرسة الفنون التطبيقية. وفيها بدأ مسيرته مع التمثيل من خلال التتلمذ على “عزيز عيد”، أول مخرج مسرحي مصري. ليشارك بعد ذلك ككومبارس في مسرحيات مثلتها فِرق يوسف وهبى ونجيب الريحاني وعلي الكسار وفاطمة رشدي وجورج أبيض، فوق خشبات مسارح شارع عماد الدين في وسط القاهرة.
جعلوني مجرما
انتقل فريد شوقي بعد ذلك من المسرح إلى
السينما، وتخرج في أول دفعات المعهد العالي للتمثيل بعد افتتاحه منتصف
الأربعينيات. ومع مطلع الخمسينيات، بدأ نشاطه السينمائي من خلال أدوار الشر
التي أجادها ببراعة كبيرة. وكانت انطلاقته الحقيقية من فيلم “الأسطى حسن”
مع المخرج صلاح أبو سيف، صاحب المدرسة الواقعية الشهيرة في الإخراج
السينمائي المصري.

انهالت العروض على فريد شوقي بعد نجاح “الأسطى حسن”، وقدم أفلاما ناجحة جديدة مثل “حميدو”، و”رصيف نمرة 5″، و”النمرود”. وفي العام 1954، كتب فريد شوقي وأنتج فيلمه الشهير “جعلوني مجرما”، والذي بدأ بعده في حصاد الألقاب الفنية، مثل “وحش الشاشة” بسبب قوته البدنية، وكذلك “ملك الترسو”، بسبب نجاحه الكاسح في جذب المشاهدين من الطبقات الدنيا إلى مشاهدة أفلامه على الشاشة الفضية.
إضافة إلى ذلك، فإن فريد شوقي كان من صنف الفنانين المؤثرين في المجتمع من خلال أعمالهم. فقد قدم فيلم “حميدو” مثلا لمناقشة مخاطر المخدرات على الوضع الصحي والأخلاقي للمجتمع المصري. كما كان فيلمه “جعلوني مجرما” سببا في إصدار قانون الإعفاء من السابقة الأولى، لإتاحة الفرصة أمام الذين أجبروا على الانحراف للبدء في حيواتهم من جديد.

نكسة وهجرة
ظل فريد شوقي في أوج نشاطه الفنى حتى وقعت
نكسة يونيو 1967 بخسارة مصر العسكرية أمام إسرائيل. أدت تلك الهزيمة
الكارثية إلى حالة من الجمود في الإنتاج السينمائي المصري. الأمر الذي دفع
الممثلون المصريون إلى السفر للبنان، والتي كانت تشهد على العكس نشاطا
سينمائيا.
كان فريد شوقي واحد من هؤلاء الذين سافروا إلى بيروت بعد النكسة. ولكن العاصمة اللبنانية لم تتحول إلى مستقره الفني الأخير خلال تلك الأيام المضطربة، بل كانت أقرب ما تكون إلى المعبر الذي انتقل من خلاله فريد شوقي إلى ساحة جديدة أثبت فيها نجوميته الكبيرة وشعبيته الجارفة. وكانت تلك الساحة هي تركيا.
كان المخرج اللبناني من أصول تركية “سيف الدين شوكت” هو صاحب فكرة الخروج إلى تركيا وتقديم أعمال سينمائية مشتركة تضم ممثلين من العرب والأتراك. وكانت البداية من إخراجه فيلم “غرام في إسطنبول” من بطولة الكوميديان السوري دريد لحام، ونهاد قلعي، إضافة إلى ممثلين من تركيا مثل “سيفدا نور”، و”أورغن غوكنار”، و”لطفي أنجان”.

حقق “غرام في إسطنبول” نجاحا في تركيا شجع “شوكت” وغيره على إعادة التجربة مرة أخرى. وكان “فريد شوقي” واحد من المتحمسين للمشاركة في السينما التركية إنتاجا وتمثيلا. مستغلا ثقله الفني، وسيرته السينمائية الحاشدة.
عثمان الجبار
كان الظهور الأول لفريد شوقي في السينما
التركية في العام 1967 من خلال فيلم “الفتى الذهبي في بيروت” من بطولة
الممثل التركي جوكسيل أرصوي. وقد أدى فيه دورا صغيرا كنوع من المجاملة
لمنتج الفيلم.
وفي العام 1968، ظهر ملك الترسو في 6 أفلام تركية دفعة واحدة. وكان مساهما في إنتاج كثير منها، إضافة إلى اعتماده على السيناريست المصري عبد الحي أديب في تأليفها.
كان أول تلك الأفلام “خمس نساء مثيرات” من بطولة النجم التركي جونيت أركين، والنجمة هوليا دارجان. وظهر فيه ممثلا مساعدا. والثاني فيلم “البحث عن عريس”. أما الفيلم الثالث وهو الأهم، فهو فيلم “جميلة”، والذي عرب عنوانه إلى “عثمان الجبار”، وشارك فريد شوقي في بطولته مع النجم التركي مراد سويدان والنجمة التركية الأهم في ذلك الوقت “هوليا كوتشيت”.
حقق فيلم “عثمان الجبار” نجاحا غير مسبوق في دور العرض التركية. وذاعت شهرة فريد شوقي تحديدا بين الأتراك بسبب ذلك الفيلم، نتيجة لاعجابهم بقدراته التمثيلية كنجم “أكشن” يتغلب على خصومه بضربات فولاذية. وكل من يشاهد المعارك التي أداها “شوقي” في “عثمان الجبار”، يتذكر فورا تلك المعارك التي مثلها في الأفلام المصرية من بطولته خلال الخمسينيات والستينيات. وفي الحالتين، كان وقع تلك الضربات يثير الآهات في نفوس المشاهدين من المصريين أو الأتراك.

بلغ نجاح وحش الشاشة بسبب “عثمان الجبار” أن حصل عن دوره في الفيلم، على جائزة البرتقالة الذهبية كأفضل ممثل مساعد في مهرجان أنطاليا السينمائي العام 1969. ليكون أول ممثل أجنبي يحصد الجائزة في المهرجان الأهم بــتركيا.
النجاح الذي حققه “جميلة” شجع نفس الثلاثي “شوقي، سويدان، كوتشييت” على تقديم فيلم جديد في العام 1968. هو “أحببت رجل شرس”، والذي كانت صورة فريد شوقي وهو يمسك بالمسدس في البوستر الدعائي الخاص به كفيلة لجذب المشاهد التركي.
السائح عمر
في العام 1969، شارك فريد شوقي في بطولة فيلم
“السائح عمر في بلاد العرب”، مع الممثل التركي “صدري أليشيك” والنجمة
التركية “فيري جانسيل”، ومن إخراج المصري نيازي مصطفى.

ويذكر أن “السائح عمر في بلاد العرب”، والذي عرب عند عرضه في مصر إلى “مغامرات في إسطنبول”، يعتبر جزء من سلسلة أفلام هزلية ناجحة أنتجتها تركيا بين عامي 1964 و 1973 حول شخصية “السائح عمر” التي قام ببطولتها “أليشيك”. والتي مثلت شخصا فكاهيا ينتمي إلى الطبقة الفقيرة غير المتعلمة في تركيا. والتي تعيش في سعادة، وتؤمن بالحب رغم بؤسها الظاهر.
عاد فريد شوقي بعد ذلك إلى مشاركة النجم التركي “مراد سويدان” والنجمة أمل صاين بطولة فيلم “أيوة”. وفي العام 1971، ظهر وحش الشاشة بطلا للمرة الثانية أمام “أمل صاين” من جديد في فيلم بعنوان “المزار”. وكان سيناريو ذلك الفيلم بالمشاركة بين المصري عبد الحي أديب، والسيناريست التركي حسين أكدال.
عودة الملك المتوج
في العام 1972، كان فريد شوقي على موعد مع
بطولته المطلقة الثالثة لفيلم تركي هو “الخادم”. وقد حقق ذلك الفيلم نجاحا
عظيما في شباك التذاكر بـتركيا. وزاد من أسهم شوقي كممثل هناك.
رغم ذلك النجاح الكبير، فإن فريد شوقي آثر أن يكون فيلمه “خطايا الآباء”، والذي عرب عنوانه في مصر إلى “بعت حياتي”، هو آخر أفلامه التي يمثلها في تركيا. فقد كان الانتصار الذي حققته مصر على إسرائيل في حرب أكتوبر، وعودة الحراك السينمائي المصري من جديد، حافزا له للعودة إلى المحروسة واستئناف نشاطه الفني بها.
عودة فريد شوقي إلى مصر، كانت ختاما في حقيقتها لهجرة المواهب المصرية إلى الشام وتركيا والتي امتدت نحو عشر سنوات. وعلى عكس كثير من الممثلين المصريين الذين عادوا إلى القاهرة دون أن تضيف أعمالهم في الخارج جديدا على مشوارهم الفني، فإن فريد شوقي عاد وهو ملكا متوجا على عرش السينما التركية، جماهيريا ونقديا.

وعندما استقر أخيرا في مصر، بدأ مرحلة جديدة من سيرته الفنية، تميزت بتمثيله أدوار الشيخ الكبير المجرب، مثل أفلام “وضاع العمر يا ولدي”، و”الكرنك”. وسيظل عطائه الفني مستمرا في السينما، أو في الدراما، والتي انتقل إليها منذ الثمانينيات بأعمال ناجحة مثل “قضية عم أحمد”، و”البخيل وأنا”، حتى وافته المنية في يوليو 1998.
أما في تركيا، فلا شك أن الأجيال التركية التي عاشت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، لا تزال تذكر فريد شوقي وأفلامه التي اكتسحت دور العرض في إسطنبول وغيرها من مدن الأناضول. ولا شك، أنه كلما لاح أمامهم اسمه، فإن الصورة التي تقفز إلى أذهانهم هي صورة الشخص طويل القامة، عريض المنكبين، الذي يضرب أعداؤه الواحد تلو الآخر حتى يقفزهم بعيدا خارج الكادر السينمائي.











