بين السعي إلى الصلاحيات الكاملة والالتزام بالحس المؤسسي، تظل الفرص المتاحة لإدارة الحكومات واحدة من الإشكاليات المقلقة حقا، إذا أخذنا بحقيقة أن امتلاك الصلاحيات لا يوفر الحل الناجح لتحقيق انسيابية في إدارة من هذا النوع، ما لم يرتبط ذلك بمفهوم ميداني للشراكة فيها.
لقد لفت نظري خطاب الاستقالة التي تقدم بها رئيس الوزراء الإيطالي الحالي جوزيبي كونتي من منصبه احتجاجا على المنهج الذي يعتمده وزير الداخلية في حكومته ماتيو سالفيني متهما إياه بعدم احترامه لقواعد العمل الحكومي التضامني الذي هو حجر الزاوية في عمل أية حكومة، وإلا تسقط في المحظور، والمحظور هنا فوضى التوجهات وتضارب الإرادات في مسؤوليات ينبغي أن تحكمها أهداف موحدة حتى وإن كانت ضمن أقل أنواع المنهج التشاركي.
لقد وصف كونتي وزير الداخلية في حكومته بعبارة مختصرة خاطبه وجها لوجه (إنك تفتقر إلى الثقافة المؤسسية)، وبمعنى أوسع، أنه يفتقد للحس المؤسسي؛ أي يعمل لحساب مصالحه الشخصية ومصالح حزبه (رابطة الشمال)، ولا تهمه النتائج الكارثية التي يمكن أن تترتب عليها.
لا شك أن المنهج الذي شخصه رئيس الوزراء الإيطالي المستقيل بدأ يرتفع إلى مستوى لوثة سياسية تعصف الآن في أكثر من بلد أوروبي واحد وإن اختلفت المعدلات، لكن نتائجه واضحة في أسباب الاندفاع الذي يمثله رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون المصر على الانسحاب من منظومة الاتحاد الأوروبي بأية وسيلة كانت، والأسبق من ذلك، حمى اليمين الفرنسي المتطرف بزعامة مارين لوبون، وهناك رذاذ مماثل في ألمانيا يتمثل بتباشير النازية الجديدة ـ القديمة، وفي بعض دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، ناهيك عن النسخة النموذج الأوضح التي يمثلها الرئيس الأميركي ترامب الذي لا يمل من دعوة الأوروبيين للاقتداء به.
إن لوثة المصالح السياسية الضيقة، بل والمغلقة بالنسخة الأميركية ـ الأوروبية، ليست الوحيدة الآن، فعلى الصعيد العربي يضربنا منذ عهود وباء من هذا النوع لا حدود في انتشاره، تستطيع أن تمسكه عن كثب، وبالمعاينة الميدانية المباشرة أيضا، ففي العراق ولبنان واليمن وتونس له حصصه المتميزة أصلا، وفي بلدان عربية أخرى بالإمكان الاطلاع عليه إذا انكشف المستور.
إن كل الذين يشتغلون بمشاريع الحصص الطائفية والمناطقية والإثنيات الضيقة هم في الحقيقة يمثلون تلك العشوائيات السياسية بتمرس وعن سابق إصرار وترصد، ويكفينا في العراق أن الثمن الذي دفعه على هذا الطريق ما زال شاخصا، رغم التحسن الجزئي بالضد منه، لكن الخشية أن يكون هذا التحسن للتجميل الوقتي على أمل الإجهاز عليه لاحقا، وفي السياق ذاته إن الأنظمة العربية التي وضعت العصي لعرقلة عجلات العمل العربي المشترك هي من سلالات هذه العشوائيات مهما كانت المبررات التي تسوقها لتسويغ ما فعلته.
الحال أن بكاء البعض على القطيعة الحاصلة نتيجة ذلك، ليس سوى نفاق سياسي للتكيف مع الأطلال ومعاقرتها ضمن متوالية تأثيث الخراب.
هكذا، ظهرت المزيد من الفضائح المتمثلة في التغطية على الفساد والفاسدين، وفي منح المسؤولية لمتمرسين في الدفاع عن تلك العشوائيات، وفي تخبط مناهج التنفيذ، وفي إسداء نصائح لمجرد رفع العتب فقط، وإلقاء التهم جزافا.
إن الواقع العربي (ممسوس) الآن بهذا الوباء أصلا، العينات كثيرة، لها مجسات تنهش وتستطعم المذاق، وإذا كان رئيس الوزراء الإيطالي كونتي قد استقال لفك الارتباط مع وزير الداخلية الشعبوي اللاعب على حاجات الإيطاليين الآنية، وإذا كان الكونجرس يواجه ترامب ويحد من غلوائه، وإذا كان مجلس العموم البريطاني لم يطاوع جونسون حتى الآن، أقول إذا كان كل ذلك يحصل، فإننا عربيا، وفي العراق خصوصا ما زالت المكابرة سيد الموقف لتصريف الواقع، مأخوذين بدهاء شعرة معاوية، لكن الوضع لا ينطبق عليها أصلا.
المشكلة أن بعض السياسيين في بلداننا أخذتهم العزة بالإثم يستصعبون الاعتراف بالأخطاء، ويستطعمون اللعب في المكائد والكمائن، يفتقدون آليات المكاشفة، ويستهجنون قول الحقائق.
الحال أن ذلك صار جزءا من عيوب مصالحات لم تصمد، ولذلك لا فرص سانحة، سوى المكاشفة على غرار ما فعله رئيس الوزراء الإيطالي، أو أن المصابين بنقص الثقافة المؤسسية يصحون على أنفسهم ويعملون الواجب بالضد من قناعاتهم السابقة.
عادل سعد الوطن العمانية











