لا شك في أن السياسة الخارجية الأميركية في عهد الرئيس الحالي دونالد ترامب تشهد انتكاسة على مختلف الصعد الإقليمية والدولية، فالرجل الذي رفع شعار “أميركا أولا” منذ أول يوم له في البيت الأبيض أسهم بشكل كبير في تراجع الدور والنفوذ الأميركي في الشرق الأوسط والعالم، بعد أن عمدت إدارته إلى الانسحاب من القضايا والأزمات المشتعلة في المنطقة لصالح قوى أخرى تسعى بقوة لبسط نفوذها واستعادة أدوارها في المنطقة، لتتحول الولايات المتحدة لأول مرة منذ فترة طويلة من قوة استقرار إلى عامل من عوامل تهديد الأمن ونشر الفوضى في ربوع المنطقة، وكانت البداية من غض الطرف عن الانتهاكات الصهيونية تجاه الأراضي والمقدسات الإسلامية في فلسطين، وانتهت بما يعرف بصفقة القرن المشبوهة التي تعجز الإدارة عن تطبيقها حتى اليوم.
وبنظرة سريعة على ملفات السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، وما تسببت فيه تلك السياسات من تراجع كبير لشعبية ومكانة الولايات المتحدة على يد ترامب، سنلحظ أن رؤية ترامب كانت قاصرة وغير مدركة لحجم ومكانة الولايات المتحدة، فالرجل تعامل مع ملفات السياسة الخارجية والدول الحليفة للولايات المتحدة، برؤية المقاول الذي لا يفكر إلا في جنى الأرباح، سواء بطريقة مشروعة أو غير مشروعة، ضاربا عرض الحائط بمصالح شركائه وحقوقهم على الولايات المتحدة، ما جعل تلك الدول تختار ما بين عدة طرق جلها لا يصب في صالح المستقبل السياسي للولايات المتحدة كقوة عظمى في العالم، فالبعض عمد إلى التقرب من روسيا الدولة الصاعدة بقوة على مسرح السياسة الدولية، والبعض الآخر فضل الاتجاه صوب الصين والهند، في حين بدأت قوى ثالثة كدول الاتحاد الأوروبي في معارضة السياسات الأميركية والبحث بنفسها عن مصالحها، والمطالبة بدور لها في منطقة الشرق الأوسط، خصوصا بعد أن بدأت روسيا تأخذ ذلك الدور من الولايات المتحدة في سوريا وليبيا والعراق.
والخطورة في سياسات ترامب في حقيقة الأمر ليس في كونها تمثل انقلابا في السياسة الخارجية الأميركية، وسحبا للولايات المتحدة من مناطق نفوذها في منطقة الشرق الأوسط والعالم، ولكن لأنها تأتي بعد تحول سابق قامت به إدارة الرئيس باراك أوباما الذي عمد إلى تحويل سياسة الولايات المتحدة من منطقة الشرق الأوسط إلى منطقة وسط آسيا، ما دفعه إلى الاتفاق على حل للبرنامج النووي الإيراني، وتقليل الدور الأميركي في الدفاع عن مصالح الشركاء في منطقة الخليج، هذه التحولات المتتالية من شأنها أن تفقد دول وحكومات العالم الثالث الثقة في السياسة الأميركية، تلك الثقة التي ستكلف الإدارات الأميركية القادمة الكثير، وقد تعجز في الغالب عن استعادتها من جديد.
إذ أصبحت الولايات المتحدة في نظر الحلفاء والشركاء الإقليميين والدوليين دولة لا يعتمد عليها في حل المشاكل والأزمات المتفاقمة التي تعاني منها دول المنطقة، ليس هذا فحسب، بل وفي حال اشتداد الأزمات تنسحب الولايات المتحدة وتترك الحكومات والأنظمة تواجه مصيرها بمفردها، الأمر الذي أضر بسمعة ومكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وهو ما ستكون له تبعات وخيمة على مصالحها في المستقبل.
كل هذا وغيره يجعل استمرار الرئيس الحالي ترامب في منصبه عملية مكلفة للولايات المتحدة ولمستقبلها السياسي في الشرق الأوسط والعالم، الأمر الذي يجعل من الصعوبة استمرار ترامب في منصبه لولاية أخرى، هذا إذا نجح في تفادي إجراءات العزل التي يقوم بها الديمقراطيون في الوقت الحالي، لأنه ما لم تغير الولايات المتحدة سياساتها الخارجية، وتعمل على استعادة ثقة الشركاء والحلفاء التقليديين، فستخسر الكثير من المصالح ولن تنجح في العودة إلى المنطقة واستعادة دورها مرة ثانية.
د اسامة نور الدين – الوطن العمانية











