نتنياهو في الفخ

د. فايز رشيد -الوطن العمانية

رغم كل محاولاته للإفلات من التهم الموجهة إليه, فشل نتنياهو في إيجاد مطلق حل لمعضلاته الكثيرة, وكما أشارت وتشير وكات الأنباء والصحف العربية والإسرائيلية والعالمية, خضع رئيس الوزراء الإسرائيلي لجلسة الاستماع الأولى بخصوص عدة قضايا فساد واحتيال وخيانة الأمانة واستغلال للسلطة. هذه الجلسات بالطبع, كانت منتظرة منذ فترة طويلة. نتنياهو سعى ويسعى للبقاء في منصبه لاعتبارات كثيرة أبرزها: عشقه للبقاء في السلطة, وهوسه بالأضواء المسلطة عليه دوما, وتسجيل الرقم القياسي في منصب رئاسة الوزراء والتفوق على ديفيد بن جوريون في هذا المجال, كما تجنب تقديمه وزوجته سارة للمحاكمة. لكن رياح نتنياهو لم تأت كما تشتهي سفنه (التي أصبحت في سياق الماضي القديم), فلم يكن أمام النائب العام أفيخاي مندلبليت المدين لنتنياهو بتعيينه له في هذا المنصب, بعد ضغوط كبيرة واجهها ويواجهها الأول من الإعلاميين والقانونيين الإسرائيليين واتهامات له بالتزلف إلى نتنياهو, فلم يكن أمامه إلا استدعاء رئيس الوزراء لسماع رأيه في التهم الموجهة إليه, في أربع جلسات استماع, ليقرر بعدها في الأسابيع المقبلة, ما إذا كان سيتهم نتنياهو رسميا ومن ثم تقديمه للمحاكمة أسوة برئيس الوزراء الأسبق إيهود أولمرت.
بالنسبة للقضايا المتهم فيها نتنياهو, وكما أوردتها صحيفة “هآرتس” بشكل رسمي وقانوني, فهي كالتالي: تتعلق القضية الاولى التي تسمى “الملف 1000″ بتلقي نتنياهو وزوجته سارة أنواعا فاخرة من السيجار وزجاجات الشمبانيا والمجوهرات. ووفقا لذات الصحيفة, يريد المحققون معرفة ما إذا كان نتنياهو وأفراد من عائلته تلقوا هدايا تتجاوز قيمتها 700 ألف شيكل (240 ألف دولار), من أثرياء من بينهم المنتج الإسرائيلي الهوليوودي ارنون ميلتشين والملياردير الأسترالي جيمس باكر, في مقابل حصولهم على امتيازات مالية شخصية في إسرائيل قدمهما لهما نتنياهو. أما القضية الثانية, التي تسمى “الملف 2000″ فيقول المحققون بأن نتنياهو حاول التوصل إلى اتفاق مع الناشر ارنون موزيس مالك صحيفة “يديعوت أحرونوت” أكثر الصحف انتشارا في إسرائيل, للحصول على تغطية إيجابية له ولزوجته سارة (بمعنى آخر: تلميعهما أمام الإسرائيليين) مقابل امتيازات قدمها له نتنياهو.
أما القضية الثالثة التي تعرف بـ”الملف 4000″ وهي الأخطر على نتنياهو المتعطش للسلطة والبقاء في دائرة الأضواء والاهتمام, (وهي القضية المعروفة أيضا بقضية بيزيك) إذ يشتبه المحققون بأن نتنياهو حاول الحصول على تغطية إيجابية في الموقع الإلكتروني الإسرائيلي “والا” في مقابل امتيازات حكومية درت ملايين الدولارات على شاؤول ايلوفيتش رئيس مجموعة بيزيك للاتصالات. من جانبه, يؤكد نتنياهو أنه لم يقبل سوى هدايا من أصدقاء “دون مقابل”. ووفق الاتهام حاول نتنياهو مقابل هذه الهدايا تقديم قانون ضريبي كان سيعود بالفائدة على ميلتشين بملايين الدولارات لكن وزير المالية حينذاك اعترض على هذا القانون. إضافة إلى كل مسبق, جرت اتهامات لنتنياهو عام 2016 في قضية شراء ثلاث غواصات من ألمانيا, من طراز “دولفين” وذلك في تعارض واضح مع رأي وزير الدفاع آنذاك موشيه يعلون وغيره من المسؤولن العسكريين, الذين زعموا أن إسرائيل لا تحتاج إليها (فلديها ستّ منها). كما أن نتنياهو وفقا لصحيفة “معاريف” الإسرائيلية مشبوه بانه دفع إلى الإمام بمشروع الملياردير الهندي راتن طاطا, صديق ميلتشن وشريكه, رغم معارضة الجهات الأمنية, فقد ساعد رئيس الوزراء ميلتشن وطاطا على بيع أسهمهما في القناة 10 للملياردير لان بلفتنيك, وعمل على الدفع إلى الأمام بتوحيد أصحاب الامتياز في ريشت وكيشت التلفزيونيتين اللتين خطط ميلتشن لشرائهما منفردا كي يقيم قناة رقم 2.
تأتي جلسات الاستماع لنتنياهو في الوقت الذي وضعته نتائج الانتخابات العامة التي أجريت في 17 ايلول/سبتمبر الماضي في موقع صعب, حيث بات يصارع لتخطيط كيفية البقاء في الحياة السياسية, بعد فشل مباحثاته مع حزب الجنرالات ـ أزرق أبيض ـ ووصولها إلى طريق مسدود, كذلك فشله في الوصول إلى اتفاق مع ديفيد ليبرمان زعيم حزب “إسرائيل بيتنا” أو أي حزب حريدي ـ ديني, ما يعني إمكانية الذهاب إلى انتخابات ثالثة في ذات عام 2019 الحالي, وهذه ستكون السابقة الأولى في إسرائيل على مدى ما يزيد على سبعين عاما. اللافت للنظر, هذه الأصوات المنافسة لنتنياهو على زعامة حزب الليكود, والتي ارتفعت أصواتها بعد فشل نتنياهو في تشكيل حكومته, كما بدء جلسات الاستماع إليه والتي قررها النائب العام الإسرائيلي. هذه الأصوات تنادي بعقد مؤتمر لإجراء انتخابات تمهيدية على زعامة الحزب. من هذه الأصوات جدعون ساعر, المعروف بخلافه الكبير مع نتنياهو, والذي أعلن منذ وقت قريب وفقا لصحيفة “يديعوت أحرونوت” أنه على استعداد لتولي زعامة الحزب إذا ما أجريت انتخابات تمهيدية. من أقطاب الليكود التي تنافس نتنياهو أيضا يسرائيل كاتس, الذي يُعدّ الأوفر حظّا لتولي رئاسة الليكود في حال إسقاط رئيسه. هذه القضية تشكل معضلة جديدة لنتنياهو الذي أصبح يفقد أوراق قوته واحدة بعد أخرى, حيث يزداد انغلاق الفخ من حوله إحكاما.

Related Posts

Next Post

آخر ما نشرنا