تذكرني إجراءات الرئيس دونالد ترامب المعبرة عن “الانعزالية الأميركية” American isolationism، ببطل الانعزالية الأول في العصر الحديث، وأقصد بذلك المستشار الألماني بسمارك، ذلك العملاق الذي وحّد ألمانيا بعد أن كانت مجموعة دويلات صغيرة: إن حلم بسمارك بألمانيا موحدة لم يكن ليتحقق إلا بتوجه الألمان للبناء الداخلي والحفاظ على وحدة ألمانيا القومية، وذلك من خلال النأي بها عن “وليمة الكولونيالية” التي انهمكت بها بريطانيا وغريمتها اللدود فرنسا حقبة ذاك.
والحق، فإن الرئيس ترامب نادى بصراحة وبصوت عالٍ بأن على أميركا النأي بنفسها عن “المستنقع الشرق أوسطي” الذي، كما يقول هو، يعاني من “متلازمة حروب وصدامات عسكرية” لا تنتهي! وهو محق في هذه الملاحظة، فإذا كان الرئيس يرنو إلى تحسين الأوضاع الداخلية في الولايات المتحدة يتوجب عليه تقليص النفقات الخارجية وسحب الالتزامات العسكرية من مختلف بقاع العالم على سبيل “التفرغ” للبناء الداخلي من خلال لجم، ثم بتر النفقات العسكرية الأميركية الفلكية عبر قارات العالم.
وبطبيعة الحال، فإن أهم بقاع الإنفاق العسكري الساخنة، هما: أفغانستان والشرق الأوسط. من ناحية أولى، لا يخفي الرئيس رغبته بإنهاء أطول حرب في تاريخ أميركا؛ أي حرب أفغانستان، ومن ناحية ثانية، عبر ترامب عن رغبته بإيقاف التورط في الشرق الأوسط الإقليم الذي لا تنتهي حروبه ونزاعاته، مشبها هذه الحروب المنهكة في إقليمنا “بمعركة صبيان”، قائلا: “دعهم يتصارعون مع بعضهم حتى تخور قواهم، ثم حيث تقوم الولايات المتحدة بالفصل بين “الصبية المتحاربين”.
من هنا، بالضبط، ينبع منظور رجل المال (وليس رجل السياسة) نحو حروب أميركا عبر البحار: لنلاحظ أن الرئيس ترامب (مقارنة بالرئيسين بوش، الأب والابن) لم يسع إلى أي احتكاك عسكري، كما أنه ولم يرسل قوات إضافية أو غير إضافية إلى أية جهة في العالم، وبضمنها الأقاليم ذات الحيوية الأمنية الحاسمة بالنسبة لواشنطن. لنلاحظ بأن الرئيس ترامب قد اكتفى بــ”التهديد” و”التخويف” و”استعراض العضلات”، ولكنه لم يقطع خيط التواصل مع أي من الدول المعادية على أمل الجلوس على “طاولة المفاوضات” حتى مع هؤلاء الذين يبدون أهم أعداء الولايات المتحدة، دول من نوع كوريا الشمالية وإيران: ترامب ليس برجل سيف، فهو رجل مال وتجارة: حروبه لا تتعدى محطات الإذاعة وقنوات البث الفضائي قط!
د. محمد الدعمي – الوطن العمانية











