ترامب النَّهاب يريد “حصته؟!” من النفط السوري ليغطي نفقات عدوانه على سوريا، واحتلاله لأجزاء من أرضها، واستمرار مساندته للانفصاليين الأكراد ومساعدتهم على تكوين “جيش”، وإقامة “دولة لهم؟”، وهناك من يرشح المنطقة السورية التي انسحبوا إليها إضافة إلى سنجار العراق وما يسيطر عليه الأميركيون الآن من مواقع في سوريا عدا التَّنْف لهذه “الدولة؟!”. وقد قال ترامب ترامب يوم الأحد 27 تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٩ في لقاء نقلته وسائل إعلامية أميركية: “لا ننوي البقاء بين تركيا وسوريا للأبد، حروبهم مستمرة منذ سنوات، ولكننا نريد تأمين النفط ومن المحتمل أن نقاتل في حال اقترب أحد وحاول أخذه، هناك كميات مهولة من النفط، ومن المهم أن نؤمن عليه وذلك لأسباب منها: أولًا لأن الدولة الإسلامية كانت تستخدمه، ثانيًا لأنه مفيد للكرد، ثالثًا لأننا سنأخذ منه أيضًا.. قد نوكل شركة (إكسون موبيل) أو أي شركة أميركية أخرى بالذهاب إلى حقول النفط في سوريا والتنقيب فيه”. وهذا لا يعني نهب النفط السوري في حقلي “الرّميلان” و”التَّنك” الخصوص، والسيطرة على معمل الغاز كونيكو في بلدة “الطابيّة” شرق دير الزُّور، وإنما التنقيب لاستخراج النفط والغاز في المنطة، الأمر الذي يعني احتلالًا طويل الأمد من خلال “دويلة ذَنَب” يقيمها ستارة وخنجرًا ثانيًا في جسم الأمة العربية عامة وسوريا خاصة تشكل مع كيان الإرهاب “إسرائيل” كَمَّاشة تحيط بالوطن “سوريا”. وهذا مشروع “إسرائيل القديم المتجدد” الذي تعمل عليه منذ خمسينيات القرن العشرين مع “أكراد”، ويعمل عليه الصهاينة الأميركيون ودول أوروبية. ولا يهم أولئك أن تعاني شعوب المنطقة من مشاريعهم الاستعمارية التدميرية، ولا أن يستخدموا الأبرياء والبسطاء من الأكراد أدوات لمشروعهم ولتغذية أوهام “قادة؟!” تهمهم أنفسهم ومصالحهم وتورمات أوهامهم الأيديولوجية المنقرضة.
إدارة ترامب خاصة والإدارات الأميركية عامة، لا يعنيها تدمير الشعوب وآلامها ومعاناتها، ولا تمزيق البلدان وإشاعة التوتر والصراعات الدامية فيها، ولا زعزعة الأمن والاستقرار، ولا القانون والأخلاق والسلام و.. و.. فهي تستبيح كل ذلك في سبيل تأمين مصالحها، وفرض سيطرتها، ونهبها لثروات الأمم وخيراتها. ومن يقف من الأميركيين في وجه سياسة إدارة معتدية وظالمة ومتوحشة في تعاملها مع بلدان وشعوب وقضايا لا يعنيه جوهر الظلم والعدوان والتوحش، بل أن يكون هو من يفعل ذلك ليكسب ماديًّا ومعنويًّا.. والقليل القليل من الأصوات العادلة ينتثر في الفضاء وتذروه الرياح.. الأميركيون يتاجرون بكل شيء، الحاكم منهم والمعارض.. السيناتور الجمهوري ليندزي جراهام عضو مجلس الشيوخ الذي كان ضد سياسة ترامب بالخروج النسبي من سوريا ـ وهو ما أسميته وأسميه إعادة انتشار عمليًّا ـ أصبح مؤيدًا لترامب ومسبحًا باسمه، بعد قراره إدخال قوة عسكرية أميركية لإبقاء آبار النفط السورية تحت الاحتلال وتكليف شركات أميركية، ربما كان جراهام شريكًا فيها أو مالكًا لها، لاستخراج النفط السوري وللتنقيب عنه في منطقة قال عنها ترامب، بعد دراسات قدمت له، إنها من أغنى مناطق النفط في العالم. وقد قال أحد مسؤولي وزارة الدفاع: “أحد أهم المكاسب التي حققتها الولايات المتحدة مع شركائنا في الحرب ضد تنظيم داعش هو السيطرة على حقول النفط في شرق سوريا.. والولايات المتحدة ملتزمة بتعزيز وضعنا، بالتنسيق مع شركائنا من قوات سوريا الديمقراطية، في شمال شرق سوريا بعتاد عسكري إضافي بهدف منع وقوع حقول النفط تلك في أيدي داعش أو قوى أخرى مزعزعة للاستقرار”. (عن رويترز.)
وفي تعليق على تصريحات ترامب الكثيرة، ومنها ما سبق وأشرت إليه، قال بروس ريدل مستشار الأمن القومي السابق عن خطوة ترامب الجديدة بشأن النفط السوري: “هذه ليست مجرد خطوة قانونية مُريبة، بل إنها ترسل كذلك رسالة إلى المنطقة بأسرها والعالم بأن أميركا تريد سرقة النفط”. وقال جيف كولجان أستاذ العلوم السياسية والدراسات الدولية بجامعة براون: “فكرة أن الولايات المتحدة ستحتفظ بالنفط لشركة “إكسون موبيل” أو شركة أميركية أخرى، هي فكرة غير أخلاقية وربما غير قانونية” (عن وكالة “رويترز” في٢٨/١٠/٢٠١٩) وفي ذلك السياق يمكن إدراج الموقف الروسي الرافض لهذا النهج في تأكيد على أن النفط السوري يجب أن تسيطر عليه وتستثمره سوريا فهو سوري.. وفي هذا السياق يندرج قول نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوجدانوف، يوم الأربعاء 23 من تشرين الأول ٢٠١٩، “إن منابع وحقول النفط في شمال شرق سوريا يجب أن تكون تحت سيطرة الحكومة السورية”.. “هذا لا يلغي العملية السياسية، والإصلاح الدستوري، والاتفاقيات والقرار 2252. ولكن في جميع الأوراق وكل التصريحات يقال إنه يجب على كل الأطراف المعنية احترام وحدة الأراضي السورية وسيادتها”.
لقد تحول ترامب من قوله، عند إعلان الانسحاب الجزئي من مواقع في شمال شرق سوريا وفق اتفاقه مع تركيا على عملية” نبع السلام”.. من قوله: “لندع آخرين يقاتلون من أجل هذا الرمل الملطخ بالدماء”، تحول تحت تأثير “إسرائيل” والصهاينة، والمعارضين الأميركيين، وطبيعته العدوانية النهابة، ونهمه الجشع للمال، ورغبته في السطيرة.. تحول إلى الولع بالنفط بدل الرمل والدم، وإلى تعزيز احتلاله لأجزاء من سوريا والتوجه نحو إدامة هذا الاحتلال بذريعة خطر داعش، وإلى متابعة اللعب على حلم الكرد ووهمهم “حلم الدولة الوهم”، بعد أن تراجع عن ذلك “العبث”، وقال إن بلاده لم تلتزم بحمايتهم للأبد.. وهو لم يخرج عن تراجعه ذك بعد إعلانه الانتصار الكبير على داعش بتصفية البغدادي. وفي هذا السياق وتأكيدًا لذلك النهج السياسي لحلفاء عنصريين بالدرجة الأولى نذكِّر بالآتي:
١ – “ما جاء في مشروع سياسي يقترحه ناتان بن إلياهو قائد سلاح طيران العدو الصهيوني لشرق أوسط جديد، وتعمل عليه دوائر صهيونية، علَّقت عليه جريدة معاريف الصهيونية بتاريخ 23/10/2019 “.. وتكون من بين أهداف السياسة المنشودة متابعة: “.. جهد دولي لإعطاء الأكراد دولة”.
٢ – “ما نشرته جريدة زمان التركية، نقلًا عن جريدة جيروزالم بوست الصهيونية أن مايك أنفس، وهو كاتب “إسرائيلي”، قال: لا تندهشوا إن كشف عن هدية رأس السنة الميلادية للأكراد. الدولة الكردية المستقلة المتحدة مع القوة العسكرية الأميركية والواقعة على الحدود الإيرانية لم تكن مسألة منتهية بالنسبة لإيران فقط بل أيضًا بالنسبة للحكومة العراقية.. وأكد أن الحب لم ينقطع بين تركيا وإسرائيل، وأن ترامب منح تركيا ما تريده مقابل الاعتراف بدولة الكرد المستقلة” (عن زمان ترك بتاريخ ٢٨/١٠/٢٠١٩).
٣ – “ما نشرته جريدة “إسرائيل اليوم” الناطقة باسم اليمين الصهيوني المتطرف، يوم ١٩/١٠/٢٠١٩ حيث كتب البروفيسور إبراهام بن تسسفي: “العملية الأميركية في منطقة إدلب في شمال غرب سوريا تشكل إشارة واضحة إلى أن الرئيس ترامب لا يعتزم الخروج بالكامل عن المُخطط الإسرائيلي الأولي الذي وضعه لنفسه مع دخوله إلى البيت الأبيض، والقائم على أساس مبدأ الكبح الموضعي والتدخل العسكري بالحد الأدنى، ولكنه يركز جيدًا على أهداف جوهرية مركزية. في قلب هذه الأهداف يوجد صراع لا هوادة فيه ضد الإرهاب العالمي من مصنع الإسلام المتطرف الذي يمثله اليوم أساسًا إيران وداعش”.
القادة الانفصاليون الكرد ينتعشون بسبب هذه الأقوال، ويعودون إلى ابتلاع الوهم من جديد، ويجرعونه للشعب الذي يدفع الثمن غاليًا.. ولقد ظهر هذا بوضوح بعد إرسال ترامب لقوات أميركية تحمي حقول النفط السورية وتسيطر عليها وتضع بعض عائداتها في خدمة المشروع الانفصالي الكردي بذريعة داعش التي أعلن المسؤولون الأميركيون، وعلى رأسهم ترامب، أكثر من مرة، أنهم انتصروا عليها وأنهوا وجودها وقضوا عليها، لا سيما بعد عملية “كايلا مولر” وقتل زعيمها إبراهيم عواد السامرائي “أبو بكر البغدادي”. وفي العراق، غِبّ الأحداث والمظاهرات التي عمَّت البلاد، فكَّر بعض المتطرفين الكرد بالتحرك للسيطرة على كركوك.. إنهم ينقادون وراء من يقودهم إلى مسلسل توهمي تطرفي جديد مكلف، ويزحفون لتحقيق مشروع الصهاينة والأميركيين العنصريين ومن في حكمهم وركبهم من الأوروبيين الذين يستثمرون في الإرهاب والفوضى وتمزيق الوطن العربي وإضعاف الأمة العربية وصولًا إلى مشاريع استعمارية جديدة تبقيها قيد الاستنزاف.
نحن أمام استباحة لثرواتنا وبلادنا ومصالحنا ولمستقبل أجيالنا، نحن تحت تهديد مستمر طويل الأمد، وما يفعله الأميركيون المحتلون وأتباعهم ليس أكثر من عروة أو “قُطْبَة” في ثوب الإدارات الأميركية التي أدمنت نهب الشعوب واستغلال حاجاتها، وقتل أبنائها، واللهب على طموحات المستبدين والمنبتّين والطامعين مسؤوليها وولاة أمورها.. وأمام قوة عُظمى بلا ضوابط أخلاقية أو “قانونية دولية” أو إنسانية من أي نوع.. قوة عمياء تفتك بعماء، وتسيطر بدموية، وتحتل وتدمر وتقتل لتنهب، وتخرب لتستثمر، وتستعبد على المَديين القريب والبعيد.. وهذا الإرث الأميركي شأنه شأن الصهيوني الإرهابي العنصري المدمر، هو إرث الشر وشر الإرث.. إرث شن الحروب العدوانية والاستعباد والنهب والتدمير المعروف الموصوف المكرس تاريخيًّا.. وهو يتجدد من عقد إلى عقد، ومن بلد إلى بلد، ومن إدارة أميركية إلى أخرى.. ويحرث في أميركا اللاتينية، والوطن العربي وما يسمى “الشرق الأوسط”، وفي جنوب شرق آسيا، ولا يكاد يسلم منه بلد أو شعب في العالم.. وعبر كل الأزمنة ومعظم الأمكنة يمارس الأميركيون ذلك.. منذ تأسيس تلك الدولة قبل ما يقرب من ثلاثمئة سنة على الإبادة الرهيبة للبشر، والعنصرية المتعالية الفارغة من كل خلق وقيمة تلك التي تجلت في إبادة” الهنود الحمر وشعوب وحضارات في أميركا الشمالية والجنوبية”، وقامت على العبودية والاسترقاق والاستعباد والاستثمار في الإرهاب والتخريب والتدمير والتعذيب.
ستذهب إدارة ترامب وتأتي إدارة أميركية أخرى ولن يتغير الحال.. وستتابع تلك الدولة، إدارة بعد إدارة، سياسات عدوانية ـ عنصرية ـ مزدوجة المعايير وهدامة.. وستتابع إدارة ترامب مشروع ابتزاز الدول العربية دولة بعد دولة، واحتلال أجزاء منها، ودعم الحركات التي تمزقها وتضعفها وتمنع تقاربها وتعاونها ـ ولا نقول تمنع وحدتها فتلك أصبحت بحكم رابع المستحيلات، مع وجود هذا الكم من الاستهداف.. وتدحرج كرة النار من قطر عربي إلى آخر.. العراق وسوريا وليبيا واليمن، ومن جديد العراق ولبنان ومصر والحبل على الجرَّار.. الأميركيون وإسرائيل وراء الكثير مما يجري في المنطقة، ويبدو أن مسلسل تدمير البلدان العربية لم ينته ومن ثم لن يتوقف.. والأقوياء الكبار لا يفعلون شيئًا لا من أجل القانون الدولي ولا من أجل البلدان والشعوب التي تصاب بالكوارث التي يقف وراءها أقوياء العالم وأشراره.. الأقوياء لن يتواجهوا بقوة من أجل الضعفاء في عالم لا تسوده القيم ولا القوانين ولا العدالة ولا الرحمة.. عالم قانون القوة العمياء.. والأقوياد في عالمنا حلف أو يكادون.. حلف في المصالح والهيمنة وفرض النفوذ، إنهم يتقاتلون بدمنا ويمشُّوننا على الشوك، ويمنّوننا بالحقوق والحريات، ويحقنوننا بالأوهم.. وبعضهم يمتهن الفساد والإفساد لبلوغ الغايات، ويا ما أردأ تلك الغايات من غايات..
ونحن.. نحن.. نحن.. آهٍ منَّا، وآهٍ علينا، وآهٍ مما ينتظرنا على يد الأقوياء، والقوة الشريرة العمياء، والعنصرية الطَّاغية، والطُّغيان الأعمى..
وآهٍ من وعينا الذي ما زال في استلابٍ وسُبات.
علي عقلة عرسان – الوطن العمانية












