الزمان: ظهيرة يوم جمعة ما .. في شهر ما
المكان: العاصمة او مدينة او بلدة سورية ما
يجلس صديقان لدودان يحتسيان القهوة بصمت ويسرحا النظر بين المسجد والطريق ويستمعان بتمعّن للخطبة العصماء التي ترعد صارخة تارة.. وتتماوج ناعمة تارة اخرى على اثير مكبرات الصوت العملاقة تحمل حينا تهديدا ووعيدا بنار حامية وحينا اخر تتكلم بالخلق الرفيع وتعد بالحور العين والخمر والعسل.. وبعد قليل يخرج من باب الجامع الرئيسي
المئات من المصلين بجلابياتهم البيضاء
ومن باب جانبي اخر تخرج مئات المصليات المتشحات بالسواد
تعلو البسملات والحوقلات والتعويذات من افواه الخارجين! ؟
ويبدا الحوار بالتصاعد والعصبية والاتهامات… بين الصديقين اللدودين
– حيث ان الاول: يفترض نفسه مثقفا علمانيا ثورجيا. لم تعجبه مناظر المتدينين ولا أزياءهم ولا خطبة شيخهم العصماء .. وربما لم تعجبه تعاليم دينهم من منابعها حتى فروعها.. ولا وجود الجامع اصلا
يصرخ برفيقه اللدود المنتمي لحزب السلطة والدولة.. لماذا تسمحون لهم بالتجمع.. لماذا تسمحون لهم ببثّ دعايتهم العلنية لدينهم وتعاليمه عبر الخطبة والدروس.. بل ربما عاتبه زاعقا لماذا تسمحون لهم بزيهم وحجابات نسائهم ؟!!.. ينهي زعيقه بكيل الاتهامات بالتواطؤ للدولة والشتائم لمسؤوليها.. ويهدد زميله السلطوي انني سأشعل صفحات التواصل الاجتماعي والاعلام الالكتروني ضدّكم ومعي مئات الثورجيين من طرازي وربما أشد وأقذع هه.. ثم يأخذ نفسا عميقا من اركيلته ويسترخي.. معتبرا انه أدى قسطه للعلا.. وناضل وكافح وقاوم
صديقه المسؤول الحزبي الحكومي يستمع اليه بتذمر حينا وباهتمام حينا لكنه لا ينفك عن تنقيل بصره وسمعه بين تلك الجموع التي تفوع .. وبين صديقه الذي يفور
يفكر هل من البطولة والقوة ان نستمع لصديقي الثورجي وبضعة الاف من نمرته.. وننقض على مئات الالاف والملايين من المتدينين.. ونسكت منابرهم ونغلق مدارسهم ونحوّل مساجدهم وجوامعهم الى مستوصفات ومراكز ثقافية.. وربما متاحف او منتجعات سياحية.. وندخل في حرب شعبية حقيقية ونحن لم نخرج بعد من حرب ارهابية تكفيرية مدمرة…
ام نهملهم ونتجاهلهم ونتركهم يتابعون مسيرتهم السابقة.. لتعود وتتغلغل بين صفوفهم من جديد الحركات السلفية التكفيرية المدعومة بالمال الصهيوخليجي والمباركة الغربية.. هذا السلوك الذي سيؤسس حتما لحرب قادمة لن تبقي ولن تذر؟؟!!
ام انه يتوجب على كل المؤسسات الحكومية والحزبية والنخب الوطنية من كافة التيارات الدينية والثقافية المتنورة.. ان تتداعى بحرفية عالية وبوطنية صادقة على استيعاب الحالة الايمانية والطقسية لكل مكونات الشعب السوري.. انطلاقا من مسلمة واقعية.. وهي عدم القدرة على تجاوز او تجاهل او انهاء الحالة الايمانية لاكثرية الشعب السورية… فعند اي عملية احصاء او مسح سوسيولوجي لواقع الشعب السوري نرى انه متدين.. وكل طائفة او مذهب منه لها طقوسها الخاصة وعاداتها ومقاماتها.. واماكن عبادتها وجمعياتها ورموزها فلا يدل بعضها على بعض بتعيير اوسخرية
بغض النظر عن القانون/16/ او 17 او 10000 الخاص بعمل ومسؤوليات وزارة الأوقاف او صلاحيته ! او فساده ؟؟
ان الحالة الدينية في سورية موجودة بقوة ولها جمهورها العريض
لذا يجب العمل على تنقية منابعها الفكرية وتوجيه تدريسها ودعاتها ومؤازرة الجناح المتنور والوطني من رجال الدين بكل الطرق المتاحة التي توحد ولا تنفر.. توجه ولا توتر
وان وزارة الاوقاف ودار الإفتاء هي من حيث الاختصاص والسلوك الأقرب الى نمطية تفكير ذلك الجمهور الكبير..
وعليه فان توجيه ومراقبة وتقييم عملهما بمنظومة من المراسيم والقوانين المتنورة والوطنية.. هي خطوة عملية وواقعية.. يمكن ان تثمر مستقبلا.. أما الفانتازيا الديماغوجية فستكون فتيلا استفزازيا… لا تعلم مجازاته ومخاطره
طبعا ان هذه الإجراءات لا تعفي الدولة والأحزاب الوطنية والنخب الفكرية من الاستمرار وبوتيرة عالية من العمل التثقيفي والتنوير ي المستدام….سوريا لك السلام والنور
سوريا تنتصر.. بكل اطيافها المتنورة











Discussion about this post