د. عماد فوزي شعيبي
في السياسة لا أحد يضرب أو يقتل إلا لسبب سياسي أو استراتيجي. ولا أحد ينتقم. فرد الفعل هو من حسابات الفعل؛ بمعنى كله مُوظّف سياسياً ولهدف محدد.
الدول لا تقتل إلاّ عند حافة ضبط فائض القوة عن الاستثمار السياسي، ولا ترد إلاّ لتحقيق هدف أهم. ولا تُستفز بمطالب العامة بالانتقام … أو هكذا يُفترض، فلا انتقامات في السياسة.
المفروض أن العقلانية تحسب حسابات حتى المغامرات الكبرى، ولكن خطر الانزلاق نحو صراع مفتوح يبقى ممكناً.
القاعدة في السياسة لا تقتل إلاّ عندما يصبح الأفراد هدفاً لتحقيق إنجاز سياسيّ يتجاوزهم. فالأفراد مجرد أدوات في العمل السياسي. فمبدأ القتل المُستهدف لا يُقرّ إلا على قاعدة ماذا بعد هذا القتل؟
الدول الكبرى عندما تصبح في مرحلة أفول غالباً ما تكون كالفيل الهائج في محل للخزف. تحاول استعادة هيبتها بلغة النمر الجريح. ترتكب أحياناً حماقات مدروسة وأخرى غير مدروسة؛ المدروسة منها تكون بهدف القول نحن قادرون واحذروا جنوننا، فيلتزم العقلاء بحسابات عالية ولا يستجيبون للتحدي، وغير المدروسة تكون بمثابة أثر الفراشة الذي يودي إلى الجنون (كما حدث في الحرب العالميّة الأولى إثر اغتيال ولي العهد النمساوي فرانز فيرديناند).
هنا تصبح الحسابات مسؤولية تاريخيّة وليست مجرد فعل ورد فعل. أي تكون حسابات بالفويرقات Nuances وليس بالفروق Differences أي بالميكرو Micro وليس بالماكرو Macro.
القضية أن الدول العظمى التي في أفول (ولا نقول في النهاية)، فكل أفول قد يليه شروق، (هنا بعضها يأفل دوره لسبب اقتصادي او لعدم القدرة على تغطية تكاليف الدور) عندما ترتكب الحماقات تُعلن عن غياب الحسابات العقلانيّة؛ وتدخل في المُغامرات (المفتوحة). والخطير أنها تود أن تعود بالزمن إلى الوراء؛ أي إلى الوقت الذي كانت بمنتهى القوة فيه فيغلب عليها مغالطة التكلفة المُغرِقة Sunk Coast فتذهب لترد اعتبارها نحو تكاليف تزيد في غرقها وغرق الآخرين معها.
بعض الحماقات (المدروسة) تكون بهدف ردع من يستصغرها ويتحرّش بها، ولاستعادة قواعد اللعبة التي بدأت تتغير مع أفولها. ولكن هذا أيضاً قد لا يلقى استجابة عقلانية فيكون كأثر الفراشة بدوره، وتبدأ دورة من الصراع قد تتوقف وقد لا تتوقف! خاصة إذ كانت الاستجابات تحت وقع العاّمة المنفعلين.
مرة أخرى تفقد القوة ثُلثيّ قيمتها عندما يتم استخدامها. فقيمة القوة في التلويح بها أقوى. أمّا إذا كان لابد من استخدامها، فليكن مع ضمان استراتيجية الخروج من دورة لا تنتهي.











