أصاب بالذعر، كلما سمعت العبارة التي تتحدث عن انجاز (دستور لسورية يتيح تمثيل جميع الطوائف والاديان والاثنيات ، في الحكم بشكل عادل) ، لان مثل هذه العبارة الحاكمة في سياق انجاز الدستور ، تتعامل مع الشعب السوري باعتباره طوائف وأديان واثنيات ، متنافسة.(يرجى التأكيد على معنى متنافسة).
ويلزمها دستور ينظم تقاسمها للسلطة، وينسق تنافسها في حكم موزع عليها … ، ورغم ان ظاهر العبارة ربما يفهمه البعض على انه يعني (العدل في توزيع السلطة ) ، الا ان جوهر العبارة (اننا مجموعة من الطوائف والاديان والاثنيات ، واننا نتفاعل ، ونتنافس على الحكم) ، وهذا ما يثير الذعر بي ، كمواطن أخاف على مواطنيتي ، من ان ترد الى درك الانتماء الطائفي ، او الديني ، او الاثني.
ان ما أطلق الذعر عندي، هو ان عبارة (تمثيل جميع الطوائف والاديان والاثنيات) ، ترددت كثيرا على لسان العديد من ممثلي الدول المعنية بالشأن السوري ، والتي تمد يدها في عملية اللجنة الدستورية ، واصلاح الدستور ، سواء بشكل مباشر ، اوغير مباشر .
وعلينا كسوريين، مهما كانت انتماءتنا ، ان ندافع ونحرص على جوهرنا الحضاري السياسي ، الجامع لنا كسوريين ، والمتمثل بانتمائنا الى شعب حي بتعدده وتنوعه ، وحيوي بتفاعل جميع مكوناته ، ضمن فيزيولوجية حضارية ، تنتج الرقي عبر ابداء الانسان السوري ، بحيث يكون اسهام الفرد في بناء الهوية السورية الجامعة ، هو معنى انتمائه الوطني السوري.
وهذا مايحترم الطوائف أو الاديان أو الخصوصيات الأثنية ، كتمايزات فردية ، ويزيد من احترامها كلما ساهمت في الارتقاء بالهوية الوطنية الحضارية ، التي هي فوق الطوائف والمذاهب والأديان ، والاثنيات والمحترمة لها ، كخصوصية غير سياسية للفرد.
ان تحويل الطوائف او الاديان او الخصوصيات الاثنية ، مراجع سياسية ، تحكم الممارسات السياسية وتشكل معيارا في انتظام العقد الاجتماعي (الدستوري) ، يحول الصراع السياسي الى صراع طائفي ، او مذهبي ، أو ديني ، أو اثني .
وبذلك يردنا ك(مجتمع) ، الى مستويات أدنى وأحط من التطور الاجتماعي ، وبدلا من تقوية مجتمعنا عبر تنافس سياسي مدني ، ينظمه عقد اجتماعي في دستور يستند الى دساتيرنا ويرتقي بها ، لتكون اكثر فعالية في تقوية التفاعل الجامع ، والموحد لشعبنا .
بدلا من ذلك ، يريد من يعتبرنا طوائف وأديان واثنيات …الخ ، ان يشعل بين مكوناتنا ، نيرانا طائفية ، يحرق الجامع الوطني ، وتحولنا الى مواد قابلة للاشتعال ، لنحرق بعضنا ، ونحرق وطننا .
ان مايبرر الذعر، تجاه مطالب المساواة بين الطوائف والاديان والاثنيات في توزيع السلطة، هو ان معظم القوى السياسية السورية، لم تحتج بشكل واضح على التعامل مع الشعب السوري،باعتباره طوائف واديان واثنيات…
وعدم الاحتجاج هذا، يرسخ المعنى المطروح حول الشعب السوري، واتساءل أما كان من واجب القوى السياسية – ولومبدئيا – ان تؤكد بان الشعب السوري، مجتمع حضاري متقدم وله تجربة سياسية واجتماعية، تحترم الخصوصيات الطائفية والدينية ، والاثنية ؟!! .
أما كان من الضروري على القوى السياسية الموالية، او المعارضة، ان تقول بشكل واضح، أن المجتمع السروي لا يقبل خلط الدين او تدخله بالسياسة، فكيف سيقبل ان تصبح الطائفة مرجعية سياسية؟
أما كان من واجب القوى السياسية ان توضح، بان من استخدم الطائفية في حرب السنوات الماضية، كان يعمل لحرق سورية وحرق نسيجها، كمقدمة لتدميرها، وليس ك(ثورة) ترتقي بها ؟!.
قد يقول قائل:” ان معظم القوى السياسية، تنادي بالعلمانية، وتذكرها في شعاراتها ” ، وهذا صحيح ، لكن هل قامت هذه القوى بقعل سياسي شعبي ، يحول العلمانية من خيار للقيادات السياسية ، الى أسلوب اجتماعي سياسي ، وثقافي عند الشعب ، وبين أفراده ؟
ربما تضمنت أدبيات بعض الأحزاب شيئا عن العلمانية، ولكن دفاتر الاحزاب شيء، وقناعات الشعب شيء آخر.
هكذا، فان سكوت الأحزاب والقوى السياسية عن عبارة (تمثيل الطوائف والأديان والاثنيات في الحكم) ، يزداد خطورة في ظل عدم سعيها ، لتعميق علمانية المجتمع السروي ، بل تركها ك(كلمة) مختلف عليها ، ومقهورة بماطرح ، حول تمثيل الطوائف والاديان ، والاثنيات.
ان اعتبار الشعب العربي السوري، كمجتمع حي بتعدده وتنوعه، وحضاري برقيه الاجتماعي، ومتقدم بممارسته السياسية، والمتفاعل مع القوى الحضاري في العالم. ان هذا المجتمع الذي يحول تنوعه وتعدده المتفاعل الى اشعاع حضاري، هو مجتمع سياسي بامتياز، لا طائفي ولا مذهبي ولا ديني، ولا اثني.
وهذا هو معنى سورية الحقيقي، وهو المعنى الذي يجب ان يشكل أساس البحث في اصلاح الدستور، او الارتقاء به .
السوريون يتابعون أخبار العراق ولبنان ، ويخشون من صفقة تنتج دستورا ، يقهر الطبيعة الحضارية الكامنة في المجتمع السوري ، يردها الى الطائفية والدين والاثنية ، ان مثل هذه الصفقة كارثة لا يمكن القبول بها ، لانها تعكس وتقهر طموح السوريين ، بالتخلص من أي طائفية ، أو أي تمايز ديني ، أو اثني .
السوريون، يريدون الارتقاء أكثر على سلم الحضارة، وبعد انتصارهم على الارهاب، لن يقبلوا ابدا ، بأي أمراض طائفية أو دينية ، أو اثنية .
السوريون، يريدون الارتقاء، اما الارتداد، فلن يقبلوا به ابدا ، ويملكون القوة الحضارية للدفاع عن هويتهم .
بقلم: د. فؤاد شربجي











Discussion about this post